فعبارة
مِنْ كُلِّ شَيْءٍ
لا يراد بها العموم الشّامل لكلّ ما يطلق عليه أنّه شيء ، بل يراد به من كلّ شيء يؤتاه النّاس في ظروف الحياة الدّنيا ، ولا سيما الملوك ، من نعم هي من فضل اللّه عزّ وجلّ عليهم . إنّه عموم تقيّده قرائن الأحوال ، وهو محمول على المبالغة الداعية إلى مزيد شكر اللّه على نعمه .
وقد يكون المراد : من كلّ شيء طلبناه ورغبنا فيه لأنفسنا ولملكنا وسلطاننا من أشياء الحياة الدّنيا ومتاعها .
القضيّة الثالثة : دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ حكاية عنه :
إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ
.
الفضل : الإحسان بالعطاء دون سبب سابق يقتضيه إلّا إرادة صاحب العطاء المتفضّل ، ودون ترقب مكافاة أو شكر .
المبين : أي : الواضح الجليّ ، من فعل : « أبان يبين » بمعنى وضح وانجلى .
وقد كان ما فضّل به سليمان وأبوه من قبله واضحا وجليّا ظاهرا للنّاس الذين شهدوه ، أو علموا به .
فأعلن سليمان عليه السّلام بهذا البيان فضل اللّه عليه وعلى أبيه ، وأشعر ضمنا بأنّ من الواجب عليه تجاه ربّه أن يشكر هذا الفضل المبين ، ومن شكره لربّه أن يقيم العدل ، ويجاهد في سبيل اللّه حقّ جهاده ، ويكثر من عبادته له بما يرضيه .
ولهذا قال في الآية ( 19 ) التالية :
. . . رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ
( 19 ) .