الآخر ، أنّها تعتمد على الأسلوب غير المباشر ، إذ بيّن لهم إيمانه بالقضايا الّتي عرضها ، ولم يقل بصريح العبارة أدعوكم إلى الإيمان بها ، لكن يفهم هذا باللّزوم الذّهني .
وأتبع عليه السّلام بيانه لما يؤمن به بشأن القضايا الّتي عرضها ، بدعاء دعا به ربّه الّذي أبان أنّه ربّ جميع العالمين ، فقال :
[ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 83 إلى 89 ]
رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ( 83 ) وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ( 84 ) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ ( 85 ) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ ( 86 ) وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ( 87 )
يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ ( 88 ) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ( 89 )
عناصر هذا الدّعاء تؤكّد إيمانه بيوم الدّين إيمانا لا شكّ يخالطه ، ودعاؤه ربّه بها أمام أبيه وقومه ، هو في الحقيقة دعوة غير مباشرة ، إلى الإيمان بمثل ما يؤمن هو به ، والمطالب الّتي سألها ربّه في دعائه ، تستثير دوافع ذوي العقول الرّشيدة إلى طلبها والتعلّق بها .
وهي خمس مطالب لنفسه ، ومطلب لأبيه دفعته إليه عاطفته نحوه ، إلّا أنّ اللّه عزّ وجلّ أبان له أنّه لا يجوز الدّعاء بالمغفرة لكافر ، لأنّ مثل هذا الدّعاء يتنافى مع قضاء اللّه بشأنه ، لكن أبان اللّه عذر إبراهيم عليه السّلام بأنّ دعاءه لأبيه قد كان عن موعدة وعدها إيّاه بأن يؤمن ، فلمّا تبيّن له أنّه عدوّ للّه تبرّأ منه .
وفيما يلي شرح عناصر الدّعاء الخمسة ، الّتي دعاها إبراهيم عليه السّلام ربّه لنفسه :
العنصر الأول : قوله :
رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً :
الحكم : فقه الأمور ، ومعرفة الحقّ والباطل وحدودهما ، ومعرفة الخير والشرّ وحدودهما ، ومعرفة الحسن والسّيّئ وحدودها ، والجميل والقبيح وحدودهما .