فقد عبّر اللّه عزّ وجلّ عن حديث النبىّ لبعض أزواجه بأنّه أسرّه لها ، فهو سرّ ، وهذا الحديث لا بدّ أن يكون بكلام مسموع .
والأخفى من السّرّ : هو ما حدّث به الإنسان نفسه في داخل نفسه ، دون أن ينطق به ، كالخواطر ، والأحاديث الكثيرة الّتي تجري داخل النفس ، دون أن ينطلق منها على اللّسان شيء .
إنّ الأفكار الّتي يعبّر عنها بالكلام لها ثلاثة أحوال :
( 1 ) إمّا أن يجهر النّاطق بها ، إذ يرفع بها صوته ، دون أن يحاول إخفاءها عن أحد .
( 2 ) وإمّا أن يحدّث بها من يستأمنه على سرّه ، وهو حريص على إخفائه عن غير من استأمنه .
( 3 ) وإمّا أن يحدّث بها نفسه في داخل نفسه ، دون أن ينطق به .
ولعلّ الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم أعلن بعض دعائه لربّه ، فيما يتعلّق بإعراض قومه عن القرآن وهجرهم له ، وعدم استجابتهم لدعوته ، كما جاء في سورة ( الفرقان / 25 مصحف / 42 نزول ) بقول اللّه عزّ وجلّ :
وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً
( 30 ) .
فأعلن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بدعائه هذا ، وجهر به ، فأعلمه اللّه عزّ وجلّ بأنّه لا حاجة إلى جهرك بمثل هذا الدّعاء ، فإنّ ربّك يعلم مناجاتك له سرّا ، ويعلم أحاديث نفسك وخواطرك .
وقد سبق لدى تدبّر الآية ( 3 ) من سورة ( مريم / 19 مصحف / 44 نزول ) بيان أدب الدّعاء والذّكر للّه عزّ وجلّ ، وكذلك لدى تدبّر الآية ( 205 ) من سورة ( الأعراف / 7 مصحف / 39 نزول ) .
والتوجيه للرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم في هذا يعمّ كلّ فرد من أفراد أمّته .