وما ذكروه سهو ، فإن صدور المبدء منهما - بحيث تدلّ عليه الهيئة - منحصر بالتفاعل ، وأمّا المفاعلة ، فإنّما تدلّ على صدور المبدء من الفاعل متعلّقاً بالغير ، ولذا انحصرت صيغة المفاعلة بالأفعال المتعدية .
وبعبارة أخرى : مادة « فَعَلَ » إنما تدلّ على نسبة العرض إلى موضوعه ، ولا تدلّ على شيء سواه من الزمان وغيره ، بل هي مداليل خارجيّة ، وذلك ، لأن هذه المادّة تدلّ على الحدث ، وهيئتها تدلّ على نسبة الفعل إلى الفاعل ، ولذا كان « فَعَلَ » في اللّازم والمتعدّي معاً ، سواء وجد في الخارج ما يقع عليه الفعل أو لا ، فهو صادق . نعم ، في الأفعال المتعديّة حيث نفهم الوقوع على
شرح
أن هيئة المفاعلة لا تتقوّم إلّابصدور الفعل من الاثنين ، لما عرفته آنفاً من دلالة المفاعلة على المشاركة في الغالب ، وهي أن يفعل الواحد بالآخر مثلما يفعله الآخر به ، لكي يكون كلّ منهما فاعلًا ومفعولًا ، نحو ضارب زيد عمراً .
ومن الواضح : أن هذا المعنى لا يتحقق بمجرّد تصدّي أحدهما لإيجاد المادّة دون صاحبه ، فلا يقال : ضارب زيد عمرواً ، أو صارعه ، أو جادله ، فيما إذا تصدّى زيد لضرب عمرو ، أو حربه ، أو صراعه ، أو جداله ، من دون أن يصدر منه أحد هذه الأمور ، بل لو لم يصدر الفعل منه ومن صاحبه معاً ، لعدّ مثل هذا الاستعمال من الأغلاط الواضحة .
نعم ، قد تكون هيئة المفاعلة بمعنى الفعل المجرّد ، نحو سافر زيد ، وقاتله اللَّه ، وواراه في الأرض ، وبارك في أمره ، وأشباه ذلك من الأمثلة .
وقد تكون بمعنى الكثرة والمبالغة . ولعلّ من القبيل الثاني قول النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم لسمرة بن جندب : إنك رجل مضّار ، ولا ضرر ولا ضرار على مؤمن » « 1 » .
هامش
( 1 ) مصباح الفقاهة 2 / 27 - 29 .