في التوبة موضوعاً وحكماً
وكيف كان ، فقد انقدح بما ذكرنا أن الفاسق لا تقبل شهادته ، إلا أن يتوب عن المعصية لكونها معصية ، ولابدّ من إحراز الحاكم هذه التوبة إما بعلم وإما بحجة شرعية ، هذا في المشتهر بالفسق ، وأما غيره ، فتقبل شهادته وإن كانت توبته لقبولها ، لأن المفروض كونه واجداً لملكة العدالة ، وبالتوبة تعود تلك الملكة .
قالوا : وترك التوبة معصية صغيرة ، ومع الإصرار على الترك تكون كبيرة .
والوجه في ذلك أن العقاب يترتب بحكم العقل على مخالفة الأوامر والنواهي الإلَهية ، من جهة أن الخوف من العقاب يدعو إلى الامتثال والإطاعة ، ولولا العقاب لما أطاع أكثر الناس ، ولكن لا حكم للعقل باستحقاق العقاب على معصية الأمر بالتوبة عن المعصية ، وأما الشرع فقد جعل معصية الأمر بالتوبة عن المعاصي معصية صغيرة لا يعاقب عليها مع ترك المعاصي الكبيرة ، قال اللَّه عز وجل : « إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ » « 1 » فإن أصر على الترك للتوبة كانت المعصية كبيرة كسائر الصغائر .
والحاصل : إن وجوب التوبة حكم شرعي مولوي ، ولكن لا دليل من الشرع على أن مخالفته معصية كبيرة ، كما لا حكم من العقل على استحقاق العقاب على مخالفة هذا الأمر ، كما يحكم باستحقاقه على ارتكاب نفس المعصية المنهي عنها ، وإلا لزم التسلسل .
ثم إن التوبة تتحقق بمجرد الندم على المعصية ، والعزم على عدم العود إليها ،
هامش
( 1 ) سورة النساء 4 : 31 .