هناك بعد حاصل من العبد تجاه مولاه ، وإلا لو كان القرب حاصل فلا حاجة إلى الوسيلة حتى بنحو التخيير فلا معنى لها هذا من طرف العبد .
وأما من طرف الرب إلى العبد فهو
[ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ]
« 1 »
[ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ ]
« 2 » .
فمن طرف الرب القرب موجود ومهيمن :
[ فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ ]
« 3 » ولكن من طرف العبد فيحتاج إلى الوسيلة ، فإذا كان قرب الباري تعالى إلى العبد قرب جسماني فسوف يكون هناك تلازم من الطرفين ، لأن القريب لك في الموقع الجغرافي الجسماني لا بد أنت أيضاً قريب منه .
وإذا كان القرب عقلي فأيضاً كذلك فإن هناك تسانخ يعني في الجنس أي من نفس نوع الجنس ، وكذلك إذا كان هناك قرب روحي نفسي .
أما في غير قرب التجانس والمكاني بل من قرب يتصور من طرف دون الطرف الآخر ، كقرب السلطنة وقرب الهيمنة ، فالقريب من الشيء قرب قدرة يعني هو مقتدر ، فإذا كان هو مقتدر فيلازم العكس ، فبدل أن يلازم القرب فيلازم البعد ، فالقوي من الضعيف كلما ازداد نفوذه قدرة فالطرف الآخر لا يمكن نفوذه بل يزداد ضعفاً فلا يقترن الضعيف من القوي قدرة بل يبتعد أكثر فأكثر .
فالخلق قائم بالخالق وليس العكس ، فالباري من خلقه قريب علماً وهيمنة وسلطنة ، والمخلوق بعيد عن خالقه في السلطة يعني عن صفة القدرة وصفة العلم المقترنة بالباري ومن ثم هذا الأمر :
[ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ]
أمر حتمي لا بدي وليس هنالك خيار آخر ، فإذا كانت الآية تعطي أن بين المخلوق والخالق بعداً فلا بد أن يطوى ذلك البعد ، فكلما تكامل المخلوق في الصفات قرب من حضرة الربوبية ، وكلما عظم المخلوق كلما عرف وفهم كمالات الخالق ، وكلما تجلت في المخلوق صفات الكمال عرف المخلوق بذلك الكمال صفات الخالق .
هامش
( 1 ) ق : 16 .
( 2 ) الحديد : 4 .
( 3 ) البقرة : 186 .