حيث إنّ في الآية دلالة على أنّ ما أقامه اللَّه لهم من حجج برهانيّة يقينيّة ينبغي أن توجب الإذعان ، ولكنّهم - لمرضهم - لم يحصل لديهم حالة الجزم المستحكم والإذعان الكامل ، ومثلها قوله تعالى (
ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ )
« 1 » .
فإنّها تفترض أنّ آيات اللَّه بيّنة توجب التصديق ولكنّهم بسبب إساءتهم لم يحصل لديهم الإذعان والتسليم المناسب لها .
وغالب إطلاق الكتاب الكريم وروايات المعارف لمفردة العلم واليقين هو على المقدّمات اليقينيّة المنتجة بطبعها ، لا على درجة الجزم ، وكذلك جرى اصطلاح الفلاسفة والمتكلّمين والمناطقة على ذلك ، وقد حرّرنا في علم الأصول أنّ الحجّية صفة ومحمول لتلك المقدّمات لا لدرجة الجزم .
وبعد اتّضاح هذه الأمور الثلاثة يتبيّن الحال في أدلّة المانعين من العمل بالظنّ :
أمّا الأوّل : فلما تقدّم من أنّ الجزم على درجات ، وكذا الاعتقاد ، وأنّ النجاة والإيمان يتحقّق بأدنى درجات الجزم ، بعد فرض تسليم النفس وطوعانيّتها وحصول الانقياد والمتابعة ، غاية الأمر أنّ هناك وظيفة عقليّة وشرعيّة أخرى ، وهي لزوم تحصيل المقدّمات اليقينيّة والبرهانيّة على المعارف والمعتقدات ، وهي مغايرة لفريضة مطلق الإيمان ، بل هي درجة خاصّة من الإيمان .
ثمّ إنّ هذه الوظيفة هي كما ذكره المانعون في ثاني أدلّتهم ، مخصوصة باسس الاعتقاديّات ، وأمّا تفاصيلها فليس من الواجب أصل الاعتقاد بها إذا لم يحصل العلم بها ، فضلًا عن لزوم تحصيل اليقين فيها .
هامش
( 1 ) الروم 30 : 10 .