أمّا النكتة الأساسيّة الثانية
إنّ العلّامة بعد أن برهن أنّ الإرادة تتولّد من الاعتبار ، قال : ههنا إنبثقت الحاجة للاعتبار . أنّ علّة الحاجة إلى الاعتبار وهو استناد الإرادة للاعتبار واحتياج الفاعل الإرادي للاستكمال في أفعاله ولا تتولّد الإرادة إلّابالإعتبار وأمّا على ما بيّناه من عدم لزوم تولّد الإرادة من الاعتبار ، فما هي الحاجة إلى الاعتبار ومن أين نشأ الاعتبار ؟
نقول كما ذكره الاصوليّون والمتكلّمون : إنّ الاعتبار منشؤه أن العقل العملي أو النظري محدود فيمدركاته - بتسليم كافّة ذوي العقول مطلقاً - فإنّهم يسلّمون بأن العقول البشريّة محدودة وليست لا محدودة ، ورأس المال الموجود لديها هو البديهيّات التي ينطلق منها العقل البشري سواء النظري أو العملي ، ويتوصّل به العقل بمفرده إلى مقدار من النظريّات لا إلى كلّ النظريّات .
وبعبارة أخرى : العقل العملي يدرك الكلّيات الفوقانيّة ، أي كلّيتها تكون على دائرة وسيعة جداً - مثلًا الظلم قبيح والعدل حسن والإحسان حسن - والكلّيات التي تأتي بعدها رتبةً كجنس للأفعال أو الكلّيات المتوسّطة - كالصدق حسن والكذب قبيح والبخل قبيح والعلم حسن والفضائل حسنة والراذئل قبيحة - وهذه قد تخفى على العقل العملي أو النظري تمام جهات حسنها أو قبحها ، فضلًا عما إذا تنزّلت ، أي صارت جزئيّات إضافيّة أو حقيقيّة ولذلك لا يستطيع الإنسان دائماً في الفعل الخارجي الخاصّ أن يعلم كلّ جهات الحسن والقبح الموجودة أو المنفعة أو المضرّة أو جهات الكمال والنقص فيه ؛ لأنّ جهات المنفعة والمضرّة في الفعل