وكذلك حال الكمّلين وتكاملهم في خضوع قواهم المادون إذا كانت إدراكيّة أو عمّالة لما فوقها إلى أن يصل إلى قوّة العقل النظري . وكذلك كمال وتمام العقل النظري هو كونه مدركاً خاضعاً للعوالم العلويّة ، وتلك العوالم كذلك إلى أن تصل إلى عوالم الربوبيّة ، فتكون حينئذً مشيئة الكامل مشيئة إلهيّة ، لأن مشيئته في القوى المادون تتلقّى من العوالم الربوبيّة وهكذا المشيئة الإلهيّة ، وإلّا فليس في الربوبيّة غضب حيواني وإنّما غضب اللَّه بغضب أوليائه ورضاه برضا أوليائه ؛ لأنّ منبعث رضاهم القوى العقليّة
( وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ )
« 1 » فالغضب وإن كانت تقوم به القوى الحيوانيّة لكنّها مسخّرة من قبل القوى العقلانيّة ، فيمكن أن يكون الفعل يسبب المدح أو الذمّ بلحاظ عقلاني لا حيواني ويصير الحسن والقبح عقليّين وهذا هو وجه مستقلّ لإثبات عقلانيّة الحسن والقبح .
وكذلك في الغاية وقول المستدلّ بأنّ العقلاء قد تدفعهم الغايات أن يمدحوا أو يذمّوا ممّا يدلّ على أنّه جعل اعتباري . . . إلخ .
فالجواب أنّه ليس جعليّاً اعتباريّاً ، لأنّه بضميمة ما تقدّم من أنّ الحدّ الماهوي للمدح هو التوصيف بالكمال والحدّ الماهوي للذمّ هو التوصيف بالنقص ، نفس الالتفات والتذكير للأنفس بالحقائق وحثّها عليه نحو تكميل تكويني لتلكالنفوس لا أنّه اعتباري فعندما يؤكّد الإنسان لإنسان آخر ويلقّنه كثيراً بما هو حقّ وبأنّ الصدق جيّد والخلق الحسن جيّد ، تكرار هذا القول نوع تكميل تكويني مساعد له لكي يستعدّ لمرحلة التكامل وليس إعتباريّاً ، بل التلقين للقضايا الحقيقيّة ، يوجب صدورها عن الشخص وصدور الأفعال الحسنة ، وهذا تأثير التربية والعادة على القضايا الصادقة الحقّة .
هامش
( 1 ) . سورة التكوير : الآية 29 .