أمّا الجواب عن الوجه الثاني
من أنّ تشخيص الكمال وإحراز الواقعيّات يقع فيه إختلاف ، فقد يحرز جيلٌ من البشر أنّ مادّة معيّنة طبيّة نافعة للمرض الكذائي ، ثم يأتي جيل بعد ذلك في الطبّ ويقول هذه المادّة سامّة قاتلة موجبة لانهدام الصحّة البشريّة ، فهذا لا يعني نفي تكوينيّة التكوين .
وهذا الاختلاف ناشئ من إختلاف الإحراز أو ناجم من إختلاف الظروف ؛ مثلًا في البلد البارد كمال البدن الإنساني لبس الثياب الكثيفة المثقلة وأمّا فيالبلد الحارّ لا يكون ذلك كمالًا للبدن الإنساني ، بل كماله أن يرتدي ثوباً خفيفاً ، فإختلاف الظروف يسبّب إختلاف ما هو حسن في هذه الأمكنة وكذلك الحال في العادات .
نعم لا نقول إنها كلّها مطابقة للواقع ، بل بعضها رديئة وبعض السنن الإجتماعيّة أغلال للمجتمع وقيود له ، فيستحسنها العقلاء أي يتخيّلون أنّها لازمة لكمالهم ، وبعض العادات يستقبحها العقلاء والحال أنّها حسنة في نفس الأمر ، لا لكون التحسين والتقبيح إعتباريّين ، بل لأنّ إحراز الحسن والقبح خاطئ ، ومن ثمّ نحتاج إلى الشرع لأنه يهدي إلى المحاسن والقبائح الواقعية الحقيقيّة في الموارد النظريّة .