أمّا الجواب عن الوجه الخامس
إنّ الانفعال نوع منه عقلي والمراد منه أنّ هناك نوعاً من الغضب العقلي ونوعاً من تحريك للقوى الحيوانيّة المادون بتوسّط العقل العملي ، كما يمثّل بقوله تعالى :
( وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ )
« 1 » حيث يتسائل لِمَ عبّر عزّ وجلّ ب « سكت » ، إذ السكوت مقابل النطق والسكون مقابل الحركة ، والحيوان يذكر فيتعريفه الماهوي أنّه الجسم النامي المتحرّك بالإرادة وأمّا في تعريف الإنسان يذكر أنّه الناطق ، فالنطق والسكوت خاصّة الإنسان ، أمّا الحركة والسكون خاصّة مطلق الحيوان ، فلذا عبّر فيالآية بسكت ، لأنّ مقابله النطق ولم يعبّر بالسكون الذي هو مقابل الحركة وهذا يدلّ على أن غضب موسى لم يكن غضباً حيوانيّاً ، بل هو غضب ناشئ من القوى العاقلة . وكذا قول أمير المؤمنين عليه السلام حين ما هجم جيش معاوية على امرأة في أطراف العراق وقال :
« فلو أنّ إمرءاً مسلماً مات من بعد هذه أسفاً ما كان به ملوماً »
« 2 » هذا ليس إنفعالًا حيوانيّاً وإنّما انفعال عن قوّة عاقلة .
وتبيان ذلك تحليلًا أنّه إذا أدركت قوّة العقل النظري ثمّ تابعتها قوّة العقل العملي في ما تدركه ممّا ينبغي فعله أو لا ينبغي ، وكانت القوى الحيوانيّة المادون مطيعة إلى أمارة وسلطة قوّة العقل العملي ، فلا تكون حركات القوى الحيوانيّة حركات حيوانيّة وإن كانت هي قوّة حيوانيّة لكنّما منبعثة من العقل العملي وهذا كمال الإنسان ولذلك ورد « يغضب للَّه لا لنفسه » .
هامش
( 1 ) . سورة الأعراف : الآية 154 .
( 2 ) . الخطبة / 27 .