إقداماً مؤثّراً ، كذلك ما قصَّته سورة الشعراء :
( فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ )
( الشعراء : 21 ) ، وفي يونس أيضاً مرَّت الآيات الكريمة أنَّه عندما خرج من قومه عندما استعصوا عليه عاود في التدبير الإلهي :
( وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ )
( الصافات : 147 و 148 ) ، وأيضاً كانت هجرة النبيّ يونس وغيابه عنهم نوعاً من التدبير أيضاً ، بحيث آل بهم الأمر إلى الإيمان :
( فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ )
( يونس : 98 ) .
فهذه هي سيرة متكرّرة في الأنبياء ، وكذلك في سيرة سيّد الأنبياء ، وإن كانت هذه يمكن اعتبارها ظاهرة ثامنة ، ولكن بشكل مشترك نريد أن نسلّط الضوء على الجهة التي يتساوى عندها الأنبياء . نلاحظ أيضاً في سيرة سيّد الأنبياء محمّد صلى الله عليه وآله هجرته عندما أرادت قريش أن تبيده وتصفّيه ، فهنا كانت سُنّة الله وهي الهجرة ، وقبل هجرته غاب في الغار صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة أيّام ، إلى أن أذن الله له بالظهور والخروج ، فهذا ليس انكفاء وانحساراً وفراراً حقيقةً ، وإنَّما هو استعادة تدبير واستعادة قوى ونظم برمجي لنفس القيام بمسؤولية ومسار أداء الواجب الإلهي وإنجاز الأهداف الإلهية ، وكذلك في أمر النبيّ المسلمين بالهجرة إلى الحبشة ، وكانت مؤقّتة ، وكذلك لإخفاء النبيّ للدعوة الإسلاميّة إلى أن أمره الله عز وجل بأن يصدع بالأمر .
فنرى أنَّ هناك سُنّة إلهية مشتركة في جميع الأنبياء هي الهجرة أو الغياب ، وهي في الحقيقة إعادة إقدام بشكل قوي مدبَّر ، ولكي ينجز الظفر والنصر ، طالت هذه الهجرة أم قصرت ، كما في النبيّ عيسى فهي الآن قد طالت ، لكن بتدبير من الله وحكمة ، وكما في النبيّ نوح ، حيث تستعرض لنا رواية أخرى عنهم عليهم السلام إبطاء نوح عليه السلام وأنَّه لمَّا استنزل العقوبة على قومه من السماء بعد أن