يبيّن القرآن الكريم ويبرز لنا أنَّ النبيّ إبراهيم عليه السلام حينما أراد أن يقوم بمشروع الإصلاح الإلهي ، استعصى عليه المجتمع النمرودي والنظام النمرودي ، فأخذ موقع الانسحاب في السطح الظاهر وليس انسحاباً في الواقع ؛ لأنَّه عليه السلام لم يترك مجتمعات الشرق الأوسط سدىً وعبثاً ، بل استطاع أن يحوّلها من الوثنية إلى الملّة الحنيفية ، وهذا مشروع جبّار جدَّاً ، فانسحب كما نسمّيه انسحاباً تكتيكياً أو تدبيرياً مؤقّتاً بتوقيت من الله عز وجل ، سواء طال أمده كما في النبيّ نوح أو لم يطل كما في غيره من الأنبياء ، المهمّ أنَّه في سنن الله تعالى أنَّه في السطح الحسّي المعلن الظاهر قد ينسحب المصلح ويغيب ويهاجر بحسب الإدراك الحسّي ، أو بحسب الحياة المعتادة المبصرة بأدوات الحسّ ، وإن كان هو ليس بغائب في الحقيقة ، فهنا أيضاً يستعرض لنا القرآن الكريم هجرة وغيبة النبيّ إبراهيم عليه السلام ، وإن كانت هي غيبة نسبية وليس غيبة مطلقة كما في النبيّ عيسى أو في الإمام المهدي ، فما يقصّه لنا القرآن الكريم حول النبيّ إبراهيم :
( وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ )
( مريم : 48 ) ، فعندما يستعصى المجتمع للإصلاح في السُنّة الإلهية يتَّخذ المصلح دور الانسحاب في الظاهر ، كي لا يصفّى أو يباد أو يسلّم بأيدي جلاوزة نظم الشرّ ، فالنبيّ إبراهيم اتَّخذ أسلوب الغيبة النسبية وهو أسلوب الهجرة ،
( وَأَعْتَزِلُكُمْ )
هو نفس التعبير الذي مرَّ في سورة الصافات :
( إِنِّي ذاهِبٌ )
، وهذا ليس انكفاءاً وانحساراً حقيقياً من أنبياء الله والمصلحين كما يروق للبعض أن يقول : أين الإمام وخليفة النبيّ الثاني عشر المعدّ للإصلاح ؟ وكيف ينكفئ أو ينحسر عن أداء المسؤولية ؟ وإنَّما هو تدبير وتكتيك من النشاط في السطح