تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام المهدى (ع) والظواهر القرآنية — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
المعلن إلى النشاط الخفي ، كي يُفسح له المجال بشكل أرحب وأوسع ليمارس أداء دوره ، فهذه سُنّة إلهية في كلّ الأنبياء ، كما في النبيّ إبراهيم ، ومرَّ بنا في النبيّ عيسى ، فلمَّا اعتزلهم وما يعبدون أيَّده بالنصر الإلهي ؛ لأنَّ أسباب القوى ومعادلات القوّة تجتمع وتتركَّز لديه في حركته وانطلاقه ونشاطه وأدائه ، بخلاف ما يكون علناً ومكبَّلًا ومقيَّداً ، وهذه نظرية أمنية في السُنّة الإلهية للأنبياء والرسل والمصلحين الإلهيين يبيّنها القرآن الكريم ، وهي الآن في البشرية أصبحت من أبجديات العلم السياسي والعلم الأمني والعلم الاستراتيجي ، وكذلك في سورة العنكبوت ترد الهجرة والغيبة النسبية للنبيّ إبراهيم :
( فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي )
( العنكبوت : 26 ) ، انكفاء وانحسار سطحي في الحسّ المعلن ، لا في الحقيقة ، وإلَّا فالنبيّ إبراهيم عاد بعد ذلك مظفراً مؤيّداً منصوراً بأن قَلَبَ المجتمعات في الشرق الأوسط وبما فيها العراق أيضاً من الملّة الوثنية إلى الملّة الحنيفية المسلمة ، وهذا عمل عظيم جبّار قام به شيخ الأنبياء وهو النبيّ إبراهيم ، ولا تستطيع مئات وعشرات الدول أن تقلب عادات وأعراف المجتمعات فضلًا عن عقيدتها ،
( إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً )
( البقرة : 124 ) ، إذن هو قد أمَّ الناس ، لكن بالتدبير تحت السطح وبالتدبير الخفي ، لا بالتدبير المعلن حتَّى لا يكبَّل حينذاك بأغلال وبمقاومة وبتصفية أنظمة الشرّ ، فكانت النتيجة النصر والظفر المؤيَّد من قبل الله تعالى في إنجاز هذا المشروع الإلهي الكبير . فهذه سنن يستعرضها لنا القرآن الكريم دواليك متتالية في الأنبياء والرسل ؛ للتدليل على أنَّ هذه سُنّة إلهية متكرّرة دائبة دائمة ، يكرّرها القرآن الكريم لنا في النبيّ إبراهيم وفي النبيّ موسى وفي النبيّ عيسى وختاماً بالمهدي المنتظر عليه السلام ، وكذلك في النبيّ يونس عندما استعصى عليه مجتمعه في الإصلاح ، فابتعد عليه السلام