المحطّة الخامسة : الهجرة عن الفساد :
بعد ذلك يواصل لنا القرآن الكريم محطّة مهمّة في ظاهرة النبيّ عيسى ، وهي الظاهرة السادسة ، وهذه المحطّة ربَّما نقتصر بجعلها الأخيرة في ظاهرة النبيّ عيسى عليه السلام ، وإن كانت هناك محطّات عديدة يمكن للباحث والمحقّق والمتدبّر أن يجدها في ظاهرة النبيّ عيسى وهي محطّات أخرى لها اتّصال وثيق بالعقيدة بالإمام المهدي وحياته وظهوره ودولة الإصلاح الشامل ، ولكن نقتضب الحديث ونقتصر على ما تقدَّم ، وما نذكره من هذه المحطّة الأخيرة التي تتناولها الآية الكريمة :
( بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً )
( النساء : 158 ) ، هذه المحطّة تفتح علينا ظاهرة سابعة مشتركة في جميع الأنبياء ، وسوف نقوم بالخوض فيها .
وهي ظاهرة الهجرة عن المجتمعات الفاسدة ، والغياب الحسّي عنها .
قال تعالى :
( بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً )
.
هذه السُنّة التي تتعرَّض إلى بيانها الآية الكريمة من رفع النبيّ عيسى في آية أخرى :
( وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا )
( آل عمران : 55 ) ، هنا تبيّن الآية حكمة رفع النبيّ عيسى وإبقائه على قيد الحياة إلى أن يحلّ أوان الظهور والنزول والإصلاح الشامل ، وهو تطهير الله لأنبيائه ورسله وخلفائه الأئمّة عن التلوّث بالبيئة الفاسدة الظالمة المنحرفة ، فالسرّ والسبب الكبير المبيَّن في القرآن الكريم لغيبة النبيّ عيسى هو أن لا يتلوَّث بدرن النظام الاجتماعي الظالم الكافر ، وهنا يبيّن القرآن الكريم بأنَّ الشخص في السُنّة الإلهية الذي هو حجّة من حجج الله والموعود بأن يقوم بالإصلاح الشامل لا ينصاع ويتكبَّل ويتقيَّد بأغلال وأدران النظام الظالم ؛ لأنَّ هذا التكبّل بهذه القيود وهذا الانحباس في ظلّ هذه