( إنَّ قول موسى عليه السلام :
( هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً )
، دلَّت على اثنتي عشرة فائدة من فوائد الأدب ) « 1 » ، ولا ريب أنَّ هذه
هامش
( 1 ) قال الشهيد الثاني قدس سره في كتابه ( منية المريد : 235 - 237 ) : ( وفي قوله :سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراًجملة جليلة من الآداب الواقعة من المتعلّم لمعلّمه ، مع جلالة قدر موسى عليه السلام وعظم شأنه ، وكونه من أولي العزم من الرسل ، ثمّ لم يمنعه ذلك من استعمال الآداب اللائقة بالمعلّم ، وإن كان المتعلّم أكمل منه من جهات أخرى . . . نشير إلى ما يتعلَّق بالكلمة الأولى ، وهي قوله :هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً. فقد دلَّت على اثنتي عشرة فائدة من فوائد الأدب :
الأولى : جعل نفسه تبعاً له ، المقتضي لانحطاط المنزلة في جانب المتبوع . الثانية : الاستيذان ب ( هَلْ ) ، أي هل تأذن لي في اتّباعك ، وهو مبالغة عظيمة في التواضع . الثالثة : تجهيل نفسه والاعتراف لمعلّمه بالعلم بقوله :عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ. الرابعة : الاعتراف له بعظيم النعمة بالتعليم ، لأنَّه طلب منه أن يعامله بمثل ما عامله الله تعالى به ، أي يكون إنعامك عليَّ كإنعام الله عليك . ولهذا المعنى قيل : ( أنا عبد من تعلَّمت منه ) . و ( من علَّم إنساناً مسألة ملك رقّه ) . الخامسة : أنَّ المتابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير ، لكونه فعله لا لوجه آخر ، ودلَّ ذلك على أنَّ المتعلّم يجب عليه من أوّل الأمر التسليم ، وترك المنازعة . السادسة : الإتيان بالمتابعة من غير تقييد بشيء ، بل اتّباعاً مطلقاً ، لا يقيّد عليه فيه بقيد ، وهو غاية التواضع . السابعة : الابتداء بالاتّباع ، ثمّ بالتعليم ، ثمّ بالخدمة ، ثمّ بطلب العلم . الثامنة : أنَّه قال :هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ، أي : لم أطلب على تلك المتابعة إلَّا التعليم ، كأنَّه قال : لا أطلب منك على تلك المتابعة مالًا ولا جاهاً . التاسعة :مِمَّا عُلِّمْتَإشارة إلى بعض ما علم ، أي لا أطلب منك المساواة ، بل بعض ما علمت ، فأنت أبداً مرتفع علي زائد القدر . العاشرة : قوله :مِمَّا عُلِّمْتَاعتراف بأنَّ الله علَّمه ، وفيه تعظيم للمعلّم والعلم وتفخيم لشأنهما . الحادية عشرة : قوله : ( رُشْداً ) طلب الإرشاد ، وهو ما لولا حصوله لغوي وضلَّ ، وفيه اعتراف بشدّة الحاجة إلى التعلّم ، وهضم عظيم لنفسه ، واحتياج بيّن لعلمه . -