الأسباب الملكوتية :
قال تعالى :
( اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ )
( يوسف : 93 ) ، يبيّن القرآن الكريم هنا أيضاً أنَّ النبيّ يوسف وأولياء الله يقومون بتدبير أدوارهم في جملة من المواقع بالأسباب الطبيعية ، لكنَّه بتدبير نظمي ربّاني يفوق وعي البشر وعلمهم ، ولكنَّه بأسباب طبيعية وبأسباب مجريات كما قيل : ( أبى الله أن يجري الأمور إلَّا بأسبابها ) ، ولكن لهم أيضاً في جملة تدبيرهم من الأسباب الخفية أو ربَّما يطلق عليها بأسباب الملكوت ، فهنا ليست بمقام الإعجاز أو في مقام الاحتجاج ، بل هي كرامة ، لكنَّها كرامة تدبيرية في أدوار النبيّ يوسف خارجة عن ظاهر الأسباب الطبيعية .
( وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ )
( يوسف : 94 ) ، يستعظم أكثر من يخلد إلى الحسّ وسجن الحسّ وأصالة الحسّ والمادة مثل هذه الظواهر أو يتنكَّر لمثل هذه الموارد ، وربَّما يصعب عليه الإذعان بها ،
( قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ * فَلَمَّا أَنْ جاءَ )
( يوسف : 95 و 96 ) ، لاحظ أنَّه لا زال الذين يستهزئون بالانتظار للفرج في خصومتهم ومشادتهم ومواجهتهم لعقيدة الانتظار للفرج التي كان رسَّخها وسنَّها النبيّ يعقوب ، عقيدة الانتظار والأمل بوليّ الله المصلح الغائب ظهوراً وليس الغائب حضوراً ، فهم يعتبرونه ضلالًا ، وهذه دروس قرآنية عظيمة تعطى للمؤمنين . مفادها أنَّ رغم استهزاء وتهريج المكذّبين والمنكرين لآيات الله ولحقائق القرآن في وجود المصلح المنقذ المنجي للبشرية الذي
( لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ )
، هذا الوعد الإلهي والإيمان به لا يزلزله ذلك التهريج وذلك الاستنكار وتلك الخصومة وتلك المعاداة عن