تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحاكمية بين النص والديمقراطية — صفحة 390

مساهمون:

ص٣٩٠
ممّن صحبه ممّا يدعم هذه القراءة ، فإنّه صلى الله عليه وآله وسلم قد استعان في حروبه بفئات عديدة من المنافقين ، وذلك لأنّ تسليم المنافقين للدعوة الظاهرة ولو في الظاهر وبحسب هذا المقدار لا يغلق أمامهم الطريق للمشاركة في المشروع الإلهي . وهذا يجيب عن تساؤل يطرح كثيراً ما وهو أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لماذا فسح المجال أمام فئات لم يدخل الإيمان في قلوبهم وانقلبوا على الأعقاب بعد رحيل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وغيّروا مجريات مسار الأمّة ، وبدّلوا وأحدثوا ما أحدثوا بعده . والجواب عن ذلك : أنّ مقتضى عدالة امتحان اللَّه وحكمته فتح باب الفرص سواء أمام الجميع وأنّ بمقدار ما يكون هناك من تسليم للدعوة الإلهيّة ولو بمقدار الظاهر فيتولّد من ذلك استحقاقات بقدره وليس السنّة الإلهيّة في نظام القضاء والقدر والوحي قائماً على الجبر والإكراه والإلجاء ، بل على الأمر بين الأمرين . ولا يخفى أنّ هذه السياسة الإلهيّة ليس من باب أنّ الغاية تبرّر الوسيلة ، بل هو من باب عظمة العدل الإلهي إلى آفاق مثقال الذرّة كما قال تعالى : (
وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا )
« 1 » ، (
وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً )
« 2 » . فهذه الموازنة ليست ازدواجيّة ولا من النفاق السياسي والألاعيب السياسيّة ، أو السياسات النفعية المصلحيّة المادّية ، وإن كان الناظر سطحيّاً يخال له ذلك . إذ العدل والموازنة إذا أخذ فيهما بالعمق والمداقّة فإنّ الميزان فيها يدقّ ويصعب إدراكه على ذوي الألباب والبصيرة النافذة وتحار في إدراكه العقول وتضطرب الأفهام . ومن ثمّ غمض عالم القضاء والقدر الإلهي ووصف بأنّه بحر لجّي مظلم ، إلّاأن
هامش
( 1 ) النساء 4 : 49 ، 77 . الإسراء 17 : 71 . ( 2 ) النساء 4 : 124 .