أبدى أوّل تعريف للخليفة باعتراض الملائكة ليبيّن أنّ دفع اعتراضهم أمر بالغ الصلة بتعريف حقيقة الخليفة ، أي أنّ كون الخليفة في الأرض يدفع ويدرأ به الفساد وسفك الدماء وهذا من أبرز آثار خلافة خليفة اللَّه في الأرض .
ومن المعلوم أنّ الفساد وسفك الدماء الّذي اعترض به الملائكة ليس هو القليل من ذلك المقدار ، بل ما يكون بنسبة الأكثر سلبيّة من مقدار الإيجابيّة ؛ إذ هو القبيح . وبذلك يظهر أنّ بتصرف خليفة اللَّه في الأرض يكون تدبيره دارءاً وحارساً عن وقوع هذا المحذور وإن لم يقلع تمام الفساد وسفك الدماء إلّافي بعض الظروف « 1 » .
وكذلك يشير إلى هذا الدور والتدبير الخفيّ مجموعة الآيات الواردة في ليلة القدر في السور المختلفة كسورة القدر والدخان والنحل وغيرها ، فإنّ نزول تقدير كلّ شيء من الأرزاق والآجال والبلايا والرخاء والأحداث والوقائع والصحّة والسقم ، وهذا الكمّ الهائل من الإحصائيّات الّتي لا تخطأ عن كلّ الحقول ليس ترفاً معلوماتياً بل له غاية وحكمة وهو بناء الاستراتيجيّة الإلهيّة في تدبير البشر ، وهو ما يعرف حالياً في إدارة الدول بالتخطيط الاستراتيجي وعلم المستقبل وبناء نظرية المستقبل .
لكن أين الإحصاءات البشريّة الحدسيّة من القضاء والقدر وإحصاءاته الّتي لا تتخلف ولا تخطئ ؟ بل أين إحاطة الإحصاءات البشريّة من ملفّات القضاء والقدر إلّاكالنقطة في البحر ؟ فملف ما يتنزل في ليلة القدر صريحة في قيام وتدبير صاحب الأمر الإلهي الّذي يتنزّل عليه الروح والملائكة في ليلة القدر بتدبير النظام البشري في كلّ حقوله وأصعدته « 2 » .
هامش
( 1 ) لاحظ الإمامة الإلهيّة / الفصل الثالث ( آيات الاستخلاف ) : 1 : 310 .
( 2 ) لاحظ الإمامة الإلهيّة / الفصل السابع ( ليلة القدر وحقيقة الإمامة ) : 2 : 273 .