ثمّ تتلو السورة
« وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ »
لتبيّن براءة المؤمنين لتركيز شدّة الظلامة . . ومن جهة أخرى تبيّن شدّة صلابة المؤمنين وصمودهم وعلوّ مبدئهم ، ثمّ يبدأ الباري تعالى بتهديد الظالمين والتنديد بهم من موقع المالك للسموات والأرض والشاهد المراقب لكلّ الأمور ، ثمّ يقول تعالى :
« إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ
. . . . إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ
إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ
وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ »
فيسطّر تعالى قاعدة وسنّة إلهيّة عامّة وهي الوقوف بصف المظلومين والمواجهة قبال الظالمين ، وهو بذلك يربّي المسلمين والمؤمنين عَبر القرآن الكريم ؛ يربّيهم على التضامن مع المظلومين والنفرة والتنديد بالظالمين عبر التاريخ ، ويُعلّمهم أن لا يتخاذلوا باللامبالاة ؛ ولا يتقاعسوا بذريعة أنّ هذه الأحداث والوقائع غابرة في التاريخ . . بل يحثّ على التضامن والوقوف في صفّ كلّ مظلوم من أول تاريخ البشريّة إلى آخرها ، والتنديد بكلّ طاغوت وظالم ، وهذا الجوّ القرآنيّ نراه لا يكتفي من المسلم والقارئ للسورة بالتعاطف وإثارة الأحاسيس تجاه المظلوم ، بل يستحثّهما على النفور من الظالم والتنديد به وإن كان زمانه قد مضى في غابر التاريخ ، كلّ ذلك لتطهير الإنسان من الذوبان في مسيرة الظالمين ، وانجذاباً له مع مبادئ المظلومين . . فنرى السورة تضمّ إلى إقامة الندبة والرثاء على أصحاب الأخدود والتنديد بقاتليهم ، تضم إلى ذلك
« هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ * وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ »
فتُذكّر قارئ السورة بمسيرة بقيّة ظلامات الظالمين من عصابة جنود فرعون وثمود الذين جَنوا على الأنبياء والصالحين . .