العاطفيّ . . هذا البكاء والتشوّق لنبيّ آخر هو من أبنائه ليس تشوّقاً إلى كمالٍ زائل . . وإنّما هو تشوّق لنبوّة نبيّ آخر . . فالغاية سامية ، والتأثّر لأجل صلة الرحم . .
بكاؤه استمرّ طيلة غياب يوسف ، وأدّى إلى بياض عينيه . .
« وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ »
يعني عميت . . اشتدّ به البكاء إلى درجة العمى . . فالبكاء كان باختياره . . وقد وصل به البكاء باختياره إلى العمى . . فإذا كان النبيّ يتشوّق ويبكي إلى هذا الحدّ ، وقد كان ضِمن مَنْ وصفهم اللَّه عزّ وجلّ
« وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ . . . »
« 1 » فيعقوب ضمن هؤلاء الأئمّة . . ومع ذلك يتشوّق إلى نبيّ مثله . . فكيف إذا تشوّق غيرُ النبيّ وغير المعصوم إلى المعصوم . .
وهل يكون تشوّقه أو بكاؤه لو وصل به الأمر إلى الإضرار بالعين فعلًا محرماً - هذا بحث آخر سيأتي في جهة الضرر الحاصل بسبب الشعائر . .
فهذا نوع من السلوك والخلق النبويّ الذي سطّره لنا القرآن الكريم بُغية الاحتذاء به واتّباعه ، حيث يقول في آخر السورة
« لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ »
« 2 » وبهدف التأسّي من هذه النماذج « 3 » . .
حينئذ ، هذا الفعل من يعقوب عليه السلام أورده الباري سبحانه في هذه السورة لأجل أن يُحتذى به ، وهو فعل كماليّ وليس فعلًا مذموماً أو فيه منقصة . . وآية
هامش
( 1 ) الأنبياء : 73 .
( 2 ) يوسف : 111 .
( 3 ) وكما قال الزمخشريّ ( مخاطباً الأشاعرة ) مع أنّه من العامة ، في ذيل الآية« هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها »( يوسف : 24 ) : قاتلهم اللَّه ، عمدوا إلى سورة ضربها اللَّه مثلًا للبشريّة إلى يوم القيامة ، احتذاءً لعفّة النبيّ يوسف ، فجعلوها نقضاً على اللَّه سبحانه في كتابه . .