فإنّ الحكم في دار الدنيا قائم على ظاهر الحال - كما تقدّم - من أنّ الإقرار بالشهادتين يوجب حقن الدماء والأعراض والأموال ، والحكم على مَن تشهّد الشهادتين بالإسلام ، ويحكم له ما للمسلمين وعليه ما عليهم ، وإن كان منافقاً .
وأمّا أحكام الآخرة ، من النجاة من النّار ، وجزاء اللَّه وعقابه ، فهي أحكام تترتّب على اعتقاد الإنسان الباطنيّ ، وما عقد عليه قلبه ، وما استقرّت عليه جوانحه ، وما اعتقده ضميره ؛ وذلك بحسب ما تواتر لدى المسلمين من الآيات والروايات التي سبقت الإشارة إليها في البحث السابق بأنّ مَن تشهّد الشهادتين دخل في حظيرة الإسلام .
وهذا المعنى يلتقي مع الألفاظ الواردة في حديث الفرقة الناجية التي نسب فيها رسول اللَّه صلى الله عليه وآله جميع الفرق المتفرّقة إلى امّته وهي امّة الإسلام ، في حين قصر صلى الله عليه وآله الحكم الاخرويّ من النجاة من النار ، على فرقة واحدة منها دون أحكام دار الدنيا .
إذن ، الحديث في صدد الإشارة إلى الأحكام الاخرويّة دون أحكام الدنيا .
وممّا يؤكّد هذه القاعدة من التفصيل بين أحكام الآخرة وأحكام الدنيا ، هو قوله تعالى :
وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ