الثَّالث - حكمة وغايته في الاقتصاص الرادع عَنْ تكرار العدوان فيدخُل الاقتصاص في الدِّفاع الوقائي بنمط آخر كما إنَّ ذلك مفاد الحفاظ عَلَى الحياة كفلسفة وحكمة للقصاص ، كما إنَّ الآية الثَّانية مِنْ سورة البقرة - ولكم في القصاص - تبين إنَّ حكمة وغاية القصاص أيضاً هُوَ الوقاية . وإنَّ القصاص هُوَ مُقْتضى التقوى ولا يخفى إنَّ أعظم أقسام الجهاد الدفاعي هُوَ القسم الأُولى الوقائي « الوقاية خير مِنْ العلاج » وَمِنْ ثمَّ أكَّدت الآية عَلَى وجوب الاستعداد والتعبئة وتنامي القوة عَلَى نحو الدوام والاستمرار ، وأنْ يكون بقدر الاستطاعة لا بقدر العادة ولا بقدر الراحة ، بلْ بتمام وكمال الاستطاعة أيّ استفراغ الوسع ، ثمَّ تُبيِّن الآية إنَّ فلسفة هَذا النمط مِنْ الإعداد هُوَ الدفاع وقاية وردعاً لقوله تعالى :
( تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ )
« 1 » .
كما إنَّ القسم الثّانِي في جملة مِنْ الموارد وإنْ كَانَ هُوَ المعروف المعهود مِنْ الجهاد الدفاعي إلّا أنَّ مِنْ الواضح بحسب الأدلّة المُتقدِّمة أنَّه لا يختصّ به ، بلْ يشمل الأوَّل والثَّالث ، بلْ في جملة مِنْ الموارد ، لو اقتصر عليه - الثّانِي - فإنَّه لا يحصل غاية الدفع وَهُوَ تحصيل الأمن ، إلَّا مَنْ القسم الثَّالث نظير ما يفصل في قتال البُغاة بين مَنْ لهم فئة يرجعون إليها فيجوز الإجهاز عَلَى جريحهم واتباع مدبرهم ، وقتل أسيرهم وبين مَنْ لَيسَ لهم فئة فلا يتبع لهم مُدبر ولا يجهز عَلَى جريحهم ولا يقتل لهم مأسور فإنَّ حكمة التفصيل هُوَ ( تكرُّر البغي ) أو في مِنْ لهم فئة فيكون الإجهاز عَلَى الجريح وقتل الأسير والمُدبِّر قطعاً عَنْ استمرار البغي وتكرره .
هامش
( 1 ) سورة الأنفال : الآية 60 .