مقابل ذلك المسلك المادي التفويضي الذي يقول بإطلاق إرادة الإنسان مِنْ كُلّ قيد ويرى أصالة الإرادة للإنسان ولا إرادة تحكم إرادة الإنسان ، وهذهِ التفويضية مُتطرّفة ، وهُناك تفويضيات أُخرى أقل مِنْ ذلك ترى شأنية لإرادة الإنسان ، وإنَّ الله هُوَ الذي أعطاه الإرادة وفوّض إليه الأمر فَهُوَ مُطلق الإرادة بواسطة الله .
وَمِنْ الأمثلة الَّتِي بيّنها القُرآن للمسلك - الجبري - الذي يقول أنَّ يد الله مغلولة ، هي قصّة اليهود حينما أمرهم الله بذبح بقرة حَيْثَ لا يرون أنَّ هُناك مساحة للحركة الاختيارية وأنَّ باب التغيير والتبديل مسدود .
وبما أنَّهم يرون أنَّ يد الله مغلولة - وَهَذا الوصف لمعتقدهم هُوَ لحقيقة وواقع معتقدهم وإنْ كانوا قدْ لا يصرحون بذلك لكن هَذا واقع معتقدهم وَهَذا ما يضمرون وينطوون عليه وما لعلَّه يظهر مِنْ فحوى كلامهم -
قال تعالى :
( وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ . . . )
« 1 » .
ولعلَّ سائل يسأل ما علاقة ذلك بذبح البقرة في بني إسرائيل .
والجواب : إنَّ معنى يدّ الله مغلولة هُوَ معنى جفاف القلم وإنَّ الله كتب ما كَانَ وما يكون فلا تغيّر ولا تبدّل في ذلك .
وبما أنَّ لا تغيّر ولا تبدّل ، وإنَّ الله قدْ كتب كُلّ الحوادث فقدْ كتب أدّق الدقائق وتفاصيل الجزئيات ، ومنها حادثة قتل الشاب مِنْ بني إسرائيل ، عندما أمرهم موسى بذبح بقرة اعتقدوا أنَّها بعنوانها الجزئي مكتوبة - أيّ بأوصافها الجزئية مِنْ العمر واللون وغيرها - فإذا أراد بني إسرائيل ذبح البقرة الَّتِي يُريدها الله ، لابدَّ أنْ يذبحوا البقرة ذات الأوصاف الدقيقة الثابتة في
هامش
( 1 ) سورة المائدة : الآية 64 .