كثيراً فصار مقولًا على هذين الوجهين : -
الوجه الأوَّل : التجريد المحض : - وهو أنْ تأتي بكلام يكون ظاهره خطاباً لغيرك وأنت تريده خطاباً لنفسك فتكون قدْ جردت الخطاب عن أنفسك وأخلصته لغيرك فلهذا يكون تجريداً محققاً .
إلامَ يَراكَ المجدُ في زيِّ شاعر * وقدْ نَحَلَتْ شوقاً فروع المنابر
كَتَمْتَ بعيب الشعر حِلماً وحكمةً * ببعضهما ينقادُ صعبُ المفاخِرِ
أمَّا وأبيكَ الخير إنَّكَ فارسُ ال - * مقال ومُحْبي الدراسات الغوائرِ
وإنَّك أَعْيَيْتَ المسامِعَ والنُهَى * بقولك عمّا في بطون الدفاتِرِ
فهذا وما شاكله أحسن ما يوجد في التجريد ، ألا تراه في جميع هذهِ الخطابات ظاهرها يُشعر بأنَّه يخاطِبُ غيره والغرضُ خطابُ نفسه ، وهذا هو السرُّ واللباب في التجريد .
الوجه الثاني : التجريد غير المحض : وهو أنْ تجعل الخطاب لنفسك على جهة الخصوص دون غيرها وفي التفرقة بين هذا والأوَّل ظاهرة فإنك في الأوَّل جردت الخطاب لغيرك وأنت تريده لنفسك ، فإطلاق اسم التجريد عليه ظاهرٌ ، بخلاف الثاني ، فإنَّه خطابٌ لنفسك لا غير .
ومثال الثاني ما قاله بعض الشعراء :
أقولُ للنفس تأساءً وتعزية * إحدى يديَّ أصابتني ولم تردِ
فهو قدْ خصَّ الخطاب لنفسه ، بأنَّ إحدى يديه أصبحت عاطلة .
وما قاله الأعشى :
وَدِّع هُرَيرَة إنَّ الركب مُرْتَّحِلُ * وهل تطيقُ وداعاً أيُّها الرَّجُلُ