وقرأ الباقون بالنصب .
فالقائل بالمسح ، يفسّر كلتا القراءتين على ضوء القواعد العربيّة بلا شذوذ ، ويقول : إنّ أرجلكم معطوفة على الرؤوس ، فجرّها لعطفها على ظاهر الرؤوس ، ونصبها لعطفها على محلّ الرؤوس ، لأنّها مفعول لقوله :
وَامْسَحُوا
فكما أنّ العطف على اللفظ جائز ، فكذا على المحلّ ، وقد ملئت مسألة العطف على المحل كتب الأعاريب . « 1 » نظير قول القائل :
معاوية أننا بشر فاسجح * فلسنا بالجبال ولا الحديدا
وأمّا القائل بالغسل ، فلا يستطيع أن يفسّر الآية على ضوء القواعد ، لأنّه يفسّر قراءة النصب بأنّها معطوفة على الأيدي ، في الجملة المتقدمة ، ويفسر قراءة الخفض بالجر بالجوار . وكلا الوجهين غير صحيحين .
[ عدم جواز الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجملة أجنبية ]
أمّا الأوّل : فلأنّه يستلزم الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجملة أجنبية ، وهي :
وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ
مع أنّه لا يفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بمفرد ، فضلا عن جملة أجنبية . ولم يسمع في كلام العرب الفصيح قائلا يقول : ضربت زيدا ومررت ببكر وعمروا بعطف « عمروا » على « زيدا » .
[ الجر بالجوار لا يليق بكلام رب العزة ]
وأمّا الثاني : فهو يقول : بأنّه مجرور لأجل الجوار ، أي لوقوعه في جنب الرؤوس المجرورة ، نظير قول القائل : « جحر ضب خرب » فان « خرب » خبر « لجحر » فيجب أن يكون مرفوعا لكنه صار مجرورا لأجل الجوار .
مع اتّفاق أهل العربية على أنّ الاعراب بالمجاورة شاذّ نادر ، وما هذا سبيله لا يجوز حمل القرآن عليه من غير ضرورة يلجأ إليه .
هامش
( 1 ) - ابن هشام : مغني اللبيب : الباب الرابع مبحث العطف ، قال : الثاني : العطف على المحل . . . ثم ذكر شروطه .