هذا كلّه على فرض كون المستثنى هو ( المسجد ) وقد عرفت كون الحديث أجنبياً عن السَّفَر إلى غير المساجد وبما أنّ المستثنى هو ( المسجد ) فالمناسب هو كون المستثنى منه من هذا القبيل .
وأمّا على التقدير الثاني وهو تقدير الأماكن وما يقاربه ويعادله ، فلازم ذلك أن تكون كافّة الأسفار محرَّمة غير السفر إلى المساجد الثلاثة ، وهل يلتزم بذلك مسلمٌ ، وهل يفتي به أحدٌ ؟
ولو كان الحديث بصدد منع كافة الأسفار المعنوية فكيف كان النبيّ والمسلمون يشدّون الرحال في موسم الحج إلى عرفات والمشعر ومنى ؟
وهذا دليل على أنّ « المستثنى منه » هو المساجد لا الأماكن .
أضِف إلى ذلك أنَّ الذكر الحكيم والأحاديث الصحيحة قد حثّا على السَّفَر إلى طلب العلم والجهاد في سبيل اللَّه وصلة الرحم وزيارة الوالدين قال سبحانه : « فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدّينِ ولِيُنْذِرُوا قَومَهُمْ إِذا رَجِعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون » « 1 » .
مُضافاً إلى ما ورد في السفر للرزقِ ، فلو كان الحكم في حديث النهي عن شدّ الرحال عامّاً ، فما معنى هذه التخصيصات الكثيرة الوافرة التي تُنافي البلاغة ، وتُزيل الحصر ؟
وهناك كلمة قيّمة للغزالي في « إحياء العلوم » يقول :
القسم الثاني هو : أن يسافر لأجل العبادة إمّا لحجٍّ أو جهاد . . .
هامش
( 1 ) . التوبة : 122 .