ويحتمل غير بعيد حمل الاطلاقات سيّما الأخبار على المورد الغالب ، وهو ما كان رفع الغرر من حيث مقدار العوضين موقوفاً على التقدير ، فلو فرض اندفاع الغرر بغير التقدير كفى ، كما في الفرض المزبور ، وكما إذا كان للمتبائعين حدس قويّ بالمقدار نادر التخلّف عن الواقع ، وكما إذا كان المبيع قليلًا لم يتعارف وضع الميزان لمثله ، كما لو دفع فلساً وأراد به دهناً لحاجة ، فإنّ الميزان لم يوضع لمثله ، فيجوز بما تراضيا عليه من التخمين .
شرح
الظاهرة في اعتبارهما ، ومقتضاها عدم الجواز في المثال وأنه لا يكون دائراً مدار حصول الغرر وعدمه ، بل المدار كون المبيع مكيلًا أو موزوناً . نعم ، يمكن أن يكون ارتفاع الغرر حكمة في اعتبار الكيل والوزن في بيع المكيل أو الوزون ، والظاهر أن الحكم يتبع موضوعه لا حكمته ، وهذا هو المراد بالغرر نوعاً .
وقد تحصّل مما ذكرنا أن الغرر وإن لم يكن في الأمثلة المذكورة في عبارة المصنف رحمه الله ولا يعمها حديث النهي عن بيع الغرر « 1 » ولكن يعمها الروايات الظاهرة في أن المكيل أو الموزون لا يصلح بيعه إلا بالكيل أو الوزن هذا مع قصد البيع ، وأما إذا أريد إنشاء المعاوضة بين الجنسين فلا تدخل في تلك الأخبار أيضاً . وقد تقدم في أول الكتاب أن المعاوضة بإنشائها لا تدخل في عنوان البيع ، بل المعاوضة عنوان مستقل يعمها مثل قوله سبحانه :« أَوْفُوا بِالْعُقُودِ »« 2 ».ثم لا يخفى أنه ربما يكون جنس مكيلًا أو موزوناً في حال ويكون معدوداً في حال آخر ، فإن الفضة أو النحاس من الموزون عند عدم كونهما بصورة الدرهم والفلس ، وإذا كانا بصورتهما مع رواج سكتهما كالمعمول في عصرنا الحاضر فلا يعتبر
هامش
( 1 ) مرّ آنفاً .
( 2 ) سورة المائدة : الآية 1 .