فظهر ممّا ذكرنا ضعف وجه التأمّل في المسألة - كما عن الكفاية ومجمع الفائدة تبعاً للمحقّق الثّاني في جامع المقاصد - . وإن انتصر لهم بعض مَن تأخّر عنهم بقوله تعالى :
« إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ »
الدالّ على اعتبار كون العقد عن التّراضي مضافاً إلى النبويّ المشهور الدالّ على رفع حكم الإكراه ، مؤيّداً بالنّقض بالهازل ، مع أنّهم لم يقولوا بصحّته بعد لحوق الرّضا . والكلّ كما ترى ، لأنّ دلالة الآية على اعتبار وقوع العقد عن التّراضي إمّا بمفهوم الحصر وإمّا بمفهوم الوصف ، ولا حصر كما لا يخفى ، لأنّ الاستثناء منقطع غير مفرّغ ، ومفهوم الوصف - على القول به - مقيّد بعدم ورود الوصف مورد الغالب كما في
« رَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ » .
شرح
والحاصل : أنّ المستفاد من الآية حكمان ؛ عدم جواز تملك مال الغير بالوجوه التي تكون في بناء العقلاء من الأكل بالباطل ، وجواز التملك بالتجارة عن تراض ، وأما سائر المعاملات ، ومنها التجارة مع لحوق التراضي بها ، فلم تعرض الآية لها نفياً ولا إثباتاً . وأما احتمال اتصال الاستثناء في الآية بدعوى أنّ المنهي عنه هو مطلق أكل المال والمراد بالباطل هو الباطل الشرعي فتكون التجارة عن تراض خارجة عن الأكل ، فإنه لولا إخراجها لدخلت فيه ، والمعنى :« لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ »فإنّ أكلها باطل شرعاً ، إلّاأن يكون الأكل تجارة عن تراض ، كما عن السيد اليزدي وتبعه السيد الخوئي « 1 » ( طاب ثراه ) ، لا يمكن المساعدة عليه . فإن الباطل قيد للأكل ، كما هو مقتضى دخول الجار عليه وتعلقه بالأكل ، وليس حكماً على الأكل ، ولو كان المراد بالباطل مع كونه قيداً للأكل ، الباطل الشرعي ، لكان الكلام لغواً ، بخلاف إرادة الباطل في اعتبار
هامش
( 1 ) محاضرات في الفقه الجعفري : 319 .