الاكتفاء بالميسور من التخفيف في الجريمة والمخالفة للدين والتحريف فيه ، يفسح لها المجال للتدرج في تحقيق أهدافها في تحريف الدين وتحويره ، بنحو يكون أداة لتركيز نفوذها وتثبيت شرعيتها ، وإكمال مشروعها .
وذلك يكون بأمرين :
الأول : التدرج في المخالفات والتحريف ، بنحو لا يستفز الجمهور . وكلما أَلِف الجمهور مرتبة من الانحراف انتقلت للمرتبة الأعلى ، وهكذا حتى يألف الجمهور تحكم السلطة في الدين وتحويرها له .
الثاني : التدرج في إضعاف المعارضة مادياً بالتنكيل بها ، ومعنوياً بجرها للانصهار بالسلطة ، إلى أن تنتهي فاعليتها وقدرتها على تحريك الجمهور وتثقيفهم على خلاف ثقافة السلطة .
ونتيجة لذلك يُستغفل الجمهور ، ويألف مرجعية الدولة في الدين ، وأخذه منها ، وتأخذ الدولة حريتها فيما تريد ، وتتم لها أهدافها .
وهناك محذوران آخران يترتبان على ذلك لا يقلان أهمية عنه :
تبعية الدين للسلطة تخفف وقعه في نفوسهم
الأول : أن الناس إذا ألفت الدين الذي تأخذه من الدولة ، وتعارفت عليه ، ونسي الدين الحق ، خفّ وقع الدين في نفوسهم ، وضعفت حيويته وفاعليته . وبقي طقوساً وشعارات فارغة . وهو ما سعى إليه معاوية من تحكيم الترهيب والترغيب ، وإثارة النعرات الجاهلية ، وعزل المبادئ والمثل ، على ما سبق .
بل يتلوث الدين على الأمد البعيد بجرائم السلطة ، وتتشوه صورته تبعاً لها ، فتتنكر الناس له ، لشعورهم بأنه جاء ليدعم الدولة ، ويكون آلة بيدها تنفذ عن طريقه مشاريعها الظالمة وأهدافها العدوانية . وحينئذ يبدأ الناس بالتحلل