ومما هو جدير هنا بالذكر نموذجاً لهذه المخاصمات التي أذهبت مجد المسلمين وسلطانهم ما أصاب الناس من القتل والسبي والنهب عند افتتاح جيوش التتار بلدة إصبهان ، وذلك بعد أن عجزوا عن افتتاحها ونزلوا عليها مراراً في سنة سبع وعشرين وستمائة ، ووقع الحرب بينهم وبين أهلها ، وقتل من الفريقين خلق كثير ، ومع ذلك لم يبلغوا التتار غرضهم حتى وقع الاختلاف بين أهل إصبهان في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة ؛ وهم طائفتان : حنفية وشافعية ، وبينهم حروب متصلة ، وعصبية ظاهرة .
فخرج قوم من أصحاب الشافعي إلى من يجاورهم من التتار ، فقالوا لهم :
اقصدوا بلدنا حتى نسلّمه إليكم ، وكان ذلك في سلطنة ابن چنگيزخان ، فأرسل جيوشاً نزلوا على إصبهان في سنة ثلاث وثلاثين المذكورة ، فحصروها فاختلف سيفا الشافعية والحنفية في المدينة حتى قتل كثير منهم ، وفتحت أبواب المدينة ، فتحها الشافعية على عهد كان بينهم وبين التتار أن يقتلوا الحنفية ، ويعفو عن الشافعية ، فلما دخلوا البلد قتلوهما جميعاً وبدأوا بالشافعية فقتلوهم قتلًا ذريعاً ، ولم يقفوا مع العهد الذي عهدوه لهم ، ثم قتلوا الحنفية ثم قتلوا سائر الناس ، وسبّوا النساء وشقّوا بطون الحبالى ، ونهبوا الأموال ، وصادروا الأغنياء ثم أضرموا النار فأحرقوا إصبهان حتى صارت تلولًا من الرماد « 1 » وأمثال هذه الحادثة بين أرباب المذاهب ليست بقليلة ، مثل الفتنة الكبرى التي هاجت ببغداد لاختلاف الحنابلة وغيرهم في معنى قوله تعالى : عسى أن يبعثك ربّك مقاماً محموداً « 2 » فقالت
هامش
( 1 ) شرح نهج البلاغة للحديدي : ج 8 ، ص 464 .
( 2 ) الإسراء : الآية 79 .