وإن شئت مثالًا لذلك والمثال لا يُسئَل عنه ، فانظر إلى نفسك إذا كنت طالباً لسلعةٍ ما فإنّك تذهب إلى السوق لشرائها ، فيعرضها البائع لك بدينار ، وآخر بدينارين ، ولاشكّ أنّك مختار في اشترائها من الأول أو الثاني ، لكن لاتشتريها إلّا من الأول ؛ لِما فيكَ من قوة التميز بين نفعك وضررك ، والمعصوم في صفاء النفس ، والاتصال بعالم الغيب ، وقوة الإدرك حتى في ترك الأولى كترك المستحبّات وفعل المكروهات أصفى نفساً منك ومن غيرك نفساً .
وبالجمة : فالحضور ضد الغياب ، والتوجّه ضد الانصراف ، فمَن كان في محضر المولى ليس بغائب عنه ، ومن ذاق حلاوة قربه ومؤانسته لا يبتغي عنها بدلًا ، ومَن جلس على بساط عبادته وأدرك لذّة مناجاته يقول كما قال زين العابدين عليه السلام :
« متى راحة مَن نصب لغيرك بدنه ، ومتى فرح من قصد سواك بنيته ؟ » « 1 » .
قال العلامة الجليل السيد عبداللَّه شبر : ( العصمة عبارة عن قوة العقل من حيث لا يغلب مع كونه قادراً على المعاصي كلّها كجائز الخطأ ، وليس معنى العصمة أنّ اللَّه يجبره على ترك المعصية ، بل يفعل به ألطافاً يترك معها المعصية باختياره ، مع قدرته عليها ، كقوة العقل ، وكمال الفطانة ، والذكاء ، ونهاية صفاء النفس ، وكمال الاعتناء بطاعة اللَّه تعالى ، ولو لم يكن قادراً على المعاصي بل كان مجبوراً على الطاعات لكان منافياً للتكليف ، ولاإكراه في الدين ، والنبي صلى الله عليه وآله أول
هامش
( 1 ) الصحيفة السجادية : ص 165 ؛ بحار الأنوار : ج 46 ص 40 .