من هذه الخطبة في تصانيف شيخنا أبي القاسم البلخي إمام البغداديّين من المعتزلة ، وكان في دولة المقتدر قبل أن يخلق الرضيّ بمدّة طويلة . ووجدت أيضاً كثيراً منها في كتاب أبي جعفر بن قبّة أحد متكلّمي الإماميّة ، وهو الكتاب المشهور المعروف بكتاب الإنصاف ، وكان أبو جعفر هذا من تلامذة الشيخ أبي القاسم البلخي رحمه اللَّه تعالى ، ومات في ذلك العصر قبل أن يكون الرضيّ رحمه اللَّه تعالى موجوداً » « 1 » .
ولابن أبي الحديد كلام آخر في دفع شبهة الاختلاق عن كتاب نهج البلاغة كلّه ، قال فيه : « مَن قد أنس بالكلام والخطابة ، وشدا طرفاً من علم البيان ، وصار له ذوق في هذا الباب ، لا بدّ أن يفرّق بين الكلام الركيك والفصيح ، وبين الفصيح والأفصح ، وبين الأصيل والمولد ، وإذا وقف على كرّاس واحد يتضمّن كلاماً لجماعة من الخطباء ، أو لاثنين منهم فقط ، فلا بدّ أن يفرّق بين الكلامين ، ويميّز بين الطريقتين .
ألا ترى أنّا مع معرفتنا بالشعر ونقده لو تصفّحنا ديوان أبي تمام فوجدناه قد كتب في أثنائه قصائد أو قصيدة واحدة لغيره ، لعرفنا بالذوق مباينتها لشعر أبي تمام نفسه وطريقته ومذهبه في القريض .
ألا ترى أنّ العلماء بهذا الشأن حذفوا من شعره قصائد كثيرة منحولة إليه لمباينتها لمذهبه في الشعر ، وكذلك حذفوا من شعر أبي نواس كثيراً ؛ لما ظهر لهم أنّه ليس من ألفاظه ولا من شعره ، وكذلك غيرهما من الشعراء ولم يعتمدوا في ذلك إلّا على الذوق خاصّة .
وأنت إذا تأمّلت نهج البلاغة وجدته كلّه ماء واحداً ، ونفساً واحداً ، واسلوباً واحداً ، كالجسم البسيط الذي ليس بعض من أبعاضه مخالفاً لباقي الأبعاض في
هامش
( 1 ) شرح نهج البلاغة : 1 : 205 . .