باسمه جلت أسماؤه للفقرة المذكورة معنيان :
الأوّل : واضح ، وهو أنّ الله خلق الإنسان عاقلا ، وبإعماله عقله بالنظر في التكوينيات ، فإنّه يصل إلى الله سبحانه ، وبما أنّ الله تعالى هو المتفضّل عليه بالعقل فهذا يعني أنّه هو سبب وصوله
إليه ، وإذا كان هو السبب لمعرفته صحّت مخاطبته بالقول : « بِكَ عَرَفْتُكَ » فتكون الباء في « بِكَ » للسببيّة ، ويشهد لهذا المعنى عطف التفسير ، حيث عطف على ذلك قوله : « وَأَنْتَ دَلَلْتَني عَلَيْكَ » ، فإنّ هذا قد جاء توضيحاً لذلك .
الثاني : إنّ هذه فلسفة أخرى لأهل البيت ( عليهم السلام ) ليست ترجع لبرهان ( الإِنّ ) ولالبرهان ( اللِّم ) ، إذ تارة يكون الانتقال من المعلول للعلّة ، وهو برهان الإِنّ ، وأخرى بالعكس ، وهو برهان اللّم ، وثالثة من الشيء إلى نفسه ، وهذا هو المراد من : « بِكَ عَرَفْتُكَ » ، ولكنّ المعنى الأوّل أوضح ، وهو الظاهر من الدعاء .
602 - نقرأ في دعاء يوم عرفة : « مَتى غِبْتَ حَتى تَحْتاجَ إِلى دَليل يَدُلُّ عَلَيْكَ
» ، فكيف نوفّق بين ذلك وبين ما ورد في كتبنا العقائديّة من الأدلّة التي تثبت وجود الله تعالى
؟ باسمه جلت أسماؤه المقصود من الفقرة الواردة في دعاء عرفة : أنّ معرفة الله سبحانه معرفة فطريّة تكوينيّة ، كما يدلّ على ذلك قول الإمام الصادق ( عليه السلام ) لمن قال له : دلّني على ربّي :
هل ركبت سفينة في البحر فانكسرت بك السفينة حيث لاسفينة تنجيك ولا سباحة تغنيك ؟ قال : نعم .
قال :
هل تعلّق قلبك بشيء اعتقدت أنّه قادر على أن يخلّصك من ورطتك ؟
قال : نعم .
قال :
فذلك هو الله القادر على الانجاء حيث لا منجي ،
وعلى الإغاثة حيث لامغيث » .
فمعرفة الله تعالى بمقتضى هذا النص معرفة فطريّة ، ولكنّها بسبب الموانع