أما الوجه الأوّل : فتنقيح القول في المقام هو أنّ حكومة قاعدة نفي الحرج باطلة لوجهين :
أحدهما : أنّ كلّاً من القاعدتين حاكمة على عمومات الأحكام المجعولة في الشريعة ، ومبيّنة للمراد منها ، من غير أن يكون فيها جعل وتشريع ، فجعل إحداهما ناظرة إلى الأخرى وشارحة لها ، والحال هذه لا معنى له كما لا يخفى .
ثانيهما : أنّ كلّاً منهما ناظرة إلى نفي الأحكام في مرتبة واحدة ، وليست قاعدة نفي الحرج ناظرة إلى قاعدة نفي الضرر بنحو التصرّف في موضوعها أو محمولها .
وأمّا الوجه الثاني : وهو تقديم قاعدة لا ضرر لأقلّيّة موردها .
فيردّه أوّلًا : أنّه ليس مورد الضرر أقلّ ، إذ المراد بالحَرَج المشقّة التي لا تُتحمّل عادةً ، وبديهي أنّ الوقوع في الضرر لا يستلزم ذلك مطلقاً .
وثانياً : أضف إليه أنّ أقليّة المورد إنّما توجب التقديم لو كانا متضادّين ، بحيث يلزم من تقديم الأكثر مورداً ، عدم بقاء المورد للأقل ، لا في مثل المقام ممّا لو قدّمنا قاعدة نفي الحرج ، لما استلزم منه طرح قاعدة لا ضرر ، بل يبقى لها موردٌ وهو مورد توافقهما .
وأمّا الوجه الرابع : وهو المعاملة معهما معاملة المتزاحمين :
فيرد عليه : أنّ التزاحم إنّما هو بين الحكمين ، والقاعدتان نافيتان للأحكام ، ولا يثبت بشيء منهما حكمٌ أصلًا ، فلا معنى للتزاحم .
وإنْ أريد به التزاحم بين المقتضيين ، فيردّه أنّ باب تزاحم المقتضيين غير مربوط بباب تزاحم الأحكام .
زبدة الأصول (ط الخامسة) — صفحة 241
مساهمون: السيد محمد صادق الروحاني
ص٢٤١