الوجه الرابع : أنْ يتعلّق الأمر في دليل المقيّد بالقيد كما هو الغالب في باب المستحبّات ، كما ورد مطلقات آمرة بزيارة سيّد الشهداء صلوات اللَّه عليه ، وورد في أدلّة أخرى استحباب زيارته في أوقات مخصوصة كليالي الجمعة وأضرابها ، وفي مثل ذلك لا يُحمل المطلق على المقيّد ، لما مرّ من أنّ الحمل يتوقّف على التنافي بين الدليلين ، وإذا لم يكن دليل المقيّد إلزاميّاً ، فلا محالة لا يكون منافياً مع الترخيص المستفاد من إطلاق المطلق في تطبيقه على أيّ فردٍ من أفراده شاءَ في مقام الامتثال ، ومع عدم التنافي لا موجب للحمل .
أقول : وبما ذكرناه يظهر أنّ الميزان هو كون دليل المقيّد إلزاميّاً ، أو غير إلزامي :
ففي الأوّل : يُحمل المطلق على المقيّد ، حتّى وإنْ كان دليل المطلق متضمّناً لحكمٍ غير إلزامي .
وفي الثاني : لا يُحمل حتّى وإنْ كان دليل المطلق متضمّناً لحكمٍ إلزامي .
ولعلّه إلى ذلك نظر المشهور ، واللَّه العالم .
الأمر الثالث : أنّ الإطلاق - كما عرفت - عبارةٌ عن رفض القيود ، وعدم دخل شيء من القيود في الحكم ، ويترتّب عليه اختلاف الإطلاق باختلاف المقامات ، وتكون نتيجته في بعض الموارد تعلّق الحكم بصرف الوجود ، كما في الأحكام التكليفيّة الوجوبيّة ، كما في ( اعتق رقبة ) ، أو ( أكرم عالماً ) وما شاكل ، وفي موردٍ آخر تعلّق الحكم بمطلق الوجود والطبيعة السارية ، وذلك كما في الأحكام التحريميّة كما في ( لا تشرب الخمر ) ، وفي الأحكام الوضعيّة كما في « أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ » وما شاكل ، وقد مرّ تفصيل ذلك في مبحث النواهي .
الأمر الرابع : أنّ قضيّة مقدّمات الحكمة في المطلقات تختلف بحسب اختلاف المقامات ، بمعنى أنّ الإطلاق في مقام الإثبات ربما يكشف عن الضيق في مقام الثبوت ، كما في إطلاق صيغة الأمر ، حيث أنّه في مقام الإثبات يكشف عن أنّ الواجب في مقام الثبوت نفسيٌ لا غيري ، تعيينيٌ لا تخييري ، وعينيٌ لا
زبدة الأصول (ط الخامسة) — صفحة 379
مساهمون: السيد محمد صادق الروحاني
ص٣٧٩