والحقّ : أنّ هذا وجه قوي ، إلّاأنّه يختصّ بالتكليف بغير المقدور مستقلّاً ، ولا يجري في التكليف بالجامع بين المقدور وغير المقدور ، فإنّه يمكن فرض فائدة في ذلك المورد ، وهو أنّه لو صدر منه ذلك الفعل غير المقدور بغير اختياره ، لكان مُجزياً عن الإتيان بالفرد المقدور ، ويسقط التكليف بذلك ، كما أنّه يختصّ بالقدرة العقليّة ولا يجري في موارد عدم القدرة الشرعيّة ، كعدم القدرة على الأمر المهمّ في موارد التزاحم .
أقول : وللصاحب بن عبّاد « 1 » كلامٌ لا بأس بنقله :
( كيف يأمره بالإيمان وقد منعه منه ، وينهاه عن الكفر وقد حمله عليه ، وكيف يصرفهم عن الإيمان ثمّ يقول : « أَنَّى يُصْرَفُونَ » ، ويخلق فيهم الكفر ثمّ يقول :
« فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ » ، وأنشأ فيهم الكفر ثمّ يقول : « لِمَ تَكْفُرُونَ » ، وخلق فيهم لبس الحقّ بالباطل ثمّ يقول : « وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ » ، وصدّهم عن السبيل ثمّ يقول : « لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ » ، وحالَ بينهم وبين الإيمان ثمّ قال : « وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا » ، وذهب بهم عن الرّشد ثمّ قال : « فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ » ، وأضلهّم عن الدِّين حتّى أعرضوا ثمّ قال : « فَمَا لَهُمْ عَنْ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ » ) .
وغيرها من الآيات الدالّة على أنّ التكليف بما لا يُطاق لم يقع ، قال سبحانه :
« لَا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا » « 2 » ، وقال : « وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ » « 3 » ،
هامش
( 1 ) وقد نقل كلامه هذا في الردّ على الجبريّة العلّامة الحلّي رحمه الله في كتابه نهج الحقّ وكشف الصدق : ص 107 . ويعدّ الصاحب بن عبّاد من أعلام الإماميّة ، ومن مشاهير شعراء أهل البيت عليهم السلام ، وهو من علماء القرن الرابع ، وقد توفّي سنة 385 للهجرة في الري ، له في أهل البيت عدّة قصائد معروفة ومشهورة ، وللإطّلاع على حياته راجع ما جمعه من أقوال العلماء بحقّه العلّامة الأميني في كتابه الغدير : ج 4 من ص 40 إلى ص 81 .
( 2 ) سورة البقرة : الآية 286 .
( 3 ) سورة الحجّ : الآية 78 .