تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زبدة الأصول (ط الخامسة) — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
أقول : هذه عمدة ما استدلّ بها الماديّون على نفي أمر آخر وراء أعضاء البدن ، وهناك وجوهٌ أُخر يظهر ما فيها ممّا نورده على هذه الوجود . ويرد على الوجه الأوّل : إنّه إذا كان المفروض اموراً كثيرة بحسب الواقع لا وحدة لها ، وليس وراء تلك الأمور شيءٌ آخر ، وكون ما نرى من الأمر المشهود الذي هو النفس الواحدة هو عين هذه الإدراكات الكثيرة ، فما الموجب لحصول هذا الواحد الذي لا يشاهد غيره ، ومن أين حصلت الوحدة ؟ . وما ذكروه من الوحدة الاجتماعيّة غير مربوطة بالمقام ، فإنّ الواحد الاجتماعي هو الكثير فيالواقع‌الواحد فيالحسّ أو الخيال لا فينفسه ، والمدَّعى في المقام كون الإدراكات الكثيرة في أنفسها هي شعور واحد في أنفسها . فإنْ قيل : إنّ المُدرَك في المقام هو الجزء الدماغي . توجّه عليه : أنّ المفروض أن ليس للجزء الدماغي إدراكٌ آخر وراء هذه الإدراكات متعلّقاً بها ، كتعلّق القوى الحسّيّة بمعلوماتها الخارجيّة وانتزاعها الصور الحسّيّة منها . وإنْ قيل : إنّه لا وحدة لها ، وإنّما يشتبه الأمر على الحسّ أو القوّة المدركة ، فتدرك الكثير واحداً . أجبنا عنه : بأنّ الاشتباه من الأمور النسبيّة التي تحصل بمقايسة ما عند الحسّ بما في الخارج من واقع هذه المشهودات ، وأمّا ما عند الحسّ في نفسه فهو أمرٌ واقعي . مثلًا : نشاهد الجرم العظيم من بعيد صغيراً كنقطة سوداء ، فما عند الحسّ - وهي النقطة السوداء - لا اشتباه فيها ، وإنّما الاشتباه يكون لو قايسنا ما عنده بما في الخارج من واقع ذلك المشهود . والمفروض في المقام أنْ لا مقام آخر وراء الإدراكات الكثيرة ، كي يُحكم بالاشتباه والخطأ من‌مقايسة ما فيه بتلك الإدراكات .
زبدة الأصول (ط الخامسة) — صفحة 297 | السيد محمد صادق الروحاني