القضاء - لأنّه لا يزيد على علم العامّي نفسه - يحكم القاضي بأنّ وظيفة المتخاصمين الحكم بالبراءة .
وعلى هذا الأساس حكموا بأنّه لو أقرّ بعين في يده لواحد ثمّ أقرّ بها لآخر يحكم عليه بدفع العين للأوّل وبدلها للثاني ، مع العلم إجمالًا بعدم مطابقة أحد الحكمين للواقع ؛ فإنّ العين لو كانت للأوّل فلا يضمن البدل للثاني ، ولو كانت للثاني فالحكم بكونها للأوّل خلاف الواقع .
والحلّ هو ما قدّمناه ؛ حيث إنّ القاضي يحكم بما هو الوظيفة لولا الرجوع إلى القاضي .
وضابط الكلام أنّه قد يعلم الحاكم بواقع القضيّة التي وقع فيها النزاع ولم يكن ثبوت الواقع له على أساس البيّنة ونحوها من موازين الحكم والقضاء ففي هذا نزاع معروف في جواز حكم الحاكم استناداً إلى علمه وعدمه ، ربّما يقال : بأنّ عموم الأمر بالحكم بالعدل الموجّه إلى الحكّام يقتضي جواز الحكم في مفروض الكلام ؛ لكون مقتضى طريقيّة العلم صرفاً للمأمور بالحكم عدلًا - الذي هو أعني الطريقيّة مقتضى العمومات - جواز الحكم استناداً إلى علمه ، وإن كان لا ملازمة بين العلم وبين جواز الحكم على أساسه ، إذا كان العلم مأخوذاً في موضوع الحكم والقضاء .
وأمّا ما تضمّن النصّ من قوله صلى الله عليه وآله : « إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان » ، فهو لا ينافي جواز الحكم استناداً إلى سائر الأمور ؛ فكأنّ المراد من الحديث أنّ قضاءه صلى الله عليه وآله ليس على أساس الوحي في القضايا الشخصيّة والعلم اللدنيّ ؛ بل هو على أساس الموازين العرفيّة والظواهر ، وليس قضاءً على أساس العلم بالواقع ؛ ولذا ذيّل الحديث بقوله صلى الله عليه وآله : « فمن اقتطعت له من أخيه شيئاً فكأنّما اقتطعت له قطعة من نار » كناية عن أنّ القضاء ربّما لا يطابق الواقع مع كونه حجّة في الظاهر .
المبسوط في فقه المسائل المعاصرة (المسائل الطبية) — صفحة 663
مساهمون: الشيخ محمد القائني
ص٦٦٣