والمعنى أنّه في حيطة التشريعات ليس هناك ما يوجب الضرر ، وأين هذا ممّا إذا استند الضرر إلى نفس الإنسان ، وكان استناده إلى الشارع لمجرّد عدم المنع منه ممّا لا يوجب استناده إليه .
إن قلت : كيف لا يستند الضرر إلى الشارع لمجرّد عدم المانع والترخيص ، مع فرض استناده إليه في مورد الترخيص في الإضرار بالغير .
قلت : استناد الضرر في الثاني إلى الشارع ؛ لعدم اختيار من يقع عليه الضرر في منعه ، بخلاف الإضرار بالنفس فإنّه بالاختيار من المضرّ فلا يستند إلّا إليه .
ثمّ إنّ هناك جملة من الروايات تضمّنت النهي عن الوضوء المستلزم للضرر ، وكذا عن الصوم ونحو ذلك من العبادات الضرريّة .
ولا مجال للاستدلال بها على حرمة الإضرار بالبدن ؛ فإنّها مسوقة لبيان عدم وجوب الوضوء والصوم ونحوهما ، وهي للإرشاد إلى عدم صحّة هذه العبادات حيث تستلزم الضرر ، وأمّا حرمة الإضرار فلا .
الوجه الرابع : الاستدلال بعدم جواز تغيير خلق اللَّه
قد يستدلّ لعدم جواز الإضرار بالبدن بقوله تعالى في سورة النساء حكاية عن إبليس : وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ « 1 » .
بدعوى أنّ تغيير خلق اللَّه من أوامر الشيطان ووساوسه وتسويلاته فلا يجوز ، وهذا يصدق على قطع الأعضاء ولو لغرض الترقيع بالغير فإنّه تغيير لخلق اللَّه .
ويدفعه أنّ حمل تغيير خلق اللَّه على هذا المعنى الساذج الذي يتوهّم من هذا اللفظ بدءاً لا مجال له ؛ فإنّه مستلزم لتخصيص مستهجن ، إذ ما من شيء من
هامش
( 1 ) سورة النساء الآية 119 .