قال أبو حاتم بن حبان : انتقل أبو البختري القاضي في آخر عمره إلى صيدا ، مدينة
على الساحل ، قد دخلتها وكان ممن يضع الحديث على الثقات ، كان إذا جنه الليل سهر عامة
ليله يتذكر الحديث ويضعه ، ثم يكتبه ويحدث به ، لا تجوز الرواية عنه ، ولا يحل كتبة حديثه
إلا على جهة التعجب ، وكان يحيى بن معين يقول : أبو البختري كذاب ، يصنع الحديث .
وأبو موسى عيسى بن أبان بن صدقة القاضي ، من أهل بغداد ، صحب محمد بن
الحسن الشيباني ، وتفقه به ، واستخلفه يحيى بن أكثم على القضاء بعسكر المهدي ، وقت
خروج يحيى بن أكثم مع المأمون إلى فم الصلح ( 1 ) ، فلم يزل على عمله إلى أن رجع
يحيى ، ثم تولى عيسى القضاء بالبصرة ، فلم يزل عليه حتى مات . وأسند الحديث عن
إسماعيل بن جعفر ، وهشيم بن بشير ، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة ومحمد الحسن ،
وغيرهم . روى عنه الحسن بن سلام السواق .
قال محمد بن سماعة : كان عيسى بن أبان حسن الوجه ، وكان يصلي معنا ، وكنت
أدعوه أن يأتي محمد بن الحسن ، فيقول : هؤلاء قوم يخالفون الحديث . وكان عيسى حسن
الحفظ للحديث ، فصلى معنا يوما الصبح ، وكان يوم مجلس محمد ، فلم أفارقه حتى جلس
في المجلس ، فلما فرغ محمد أدنيته إليه ، وقلت : هذا ابن أخيك أبان ابن صدقة الكاتب
ومعه ذكاء ومعرفة بالحديث ، وأنا أدعوه إليك فيأبى ، ويقول : إنا نخالف الحديث . فأقبل
عليه وقال : يا بني ، ما الذي رأيتنا نخالفه من الحديث ؟ لا تشهد علينا حتى تسمع منا .
فسأله يومئذ عن خمسة وعشرين بابا من الحديث ، فجعل محمد بن الحسن يجيبه عنه ،
ويخبره بما فيها من المنسوخ ، ويأتي بالشواهد والدلائل ، والتفت إلي بعد ما خارجنا فقال :
كان بيني وبين النور ستر فارتفع عني ، ما ظننت أن في ملك الله مثل هذا الرجل يظهره
للناس . ولزم محمد بن الحسن لزوما شديدا حتى تفقه .
قال أبو حازم القاضي : ما رأيت أهل بغداد حدثا أذكى من عيسى بن أبان ، وبشر بن
الوليد . وقال أبو حازم : كان عيسر رجلا سخيا جدا ، وكان يقول : والله لو أتيت برجل يفعل
في ماله كفعلي في مالي لحجرت عليه . قال : وقدم إليه رجل محمد بن عباد المهلبي ،
فأدعي على أربعمائة دينار ، فسأله عيسى عما ادعى عليه ، فأقر له بذلك ، فقال له الرجل :
هامش
( 1 ) سقط من : ك ، والصلح نهر كبير فوق واسط ، بينهما وبين الجبل ، عليه عدة قرى ، وفيه كانت دار الحسن بن سهل
وزير المأمون ، وفيه بنى المأمون ببوران . معجم البلدان 3 / 917 .