فكانت أوّل خطوة اتّخذها علي عليه السلام بهذا الشأن أن اختار أحد ثقاته وهو « قيس بنسعد بنعبادة » ليولّيه مصر ، ولميكد قيس يصلمصر ويتصدّى لولايتها ، حتّى رأى معاوية - الذي كان يطمع بمصر ويحلم بضمّها إلى نفوذه ، إلى جانب عدائه المعروف لأمير المؤمنين عليه السلام ومحاولته إثارة الفتن والبلابل - الفرصة مناسبة ، فانتهزها ليكتب رسالة إلى قيس يقترح عليه فيها التخلّي عن علي عليه السلام ومبايعته .
وقد نمّق معاوية رسالته بمختلف الحيل والخدع والأساليب الرذيلة الرخيصة ، فقد أغرى قيساً من جانب ومنّاه بوعود ضخمة معسولة ، كما اتّهم من جانب آخر عليّاً عليه السلام بالضلوع في قتل عثمان ولم يتورّع عن وصفه بالقاتل في رسالته .
إلّا أنّ هذه الترّهات لم يكن لها أدنى تأثير على قيس ولم تحرفه عن طريقه قيد أنملة ، غير أنّ قيساً الذي ورد مصر لتوّه ولم يكن على علم بأوضاعها ولم يتمكّن من السيطرة عليها ، إلى جانب حداثة حكومة علي عليه السلام ، فهو كان لا يعلم بكيفية التعامل مع مثل هذه الخدع بغية عدم زلزلة أركان الحكومة الإسلامية ، الأمر الذي جعله لا يردّ بصراحة على اقتراح معاوية ، فكتب له رسالة جوابية ذات وجهين كي لا تكون ذريعة تمكّن معاوية من استغلالها ، فما كان من معاوية إلّاأن كتب رسالة ثانية لجأ فيها إلى الترهيب بدلًا من الترغيب فقد توعّد قيساً وهدّده بالبيعة له .
فلم يكن أمام قيس من سبيل سوى أن ردّ على رسالته بشدّة وأعلن فيها عن مدى وفائه لعلي عليه السلام حيث خاطبه قائلًا : « أمّا بعد ، فإنّما أنت وثن من أوثان مكّة ، دخلت في الإسلام كارهاً وخرجت منه طائعاً » « 1 » .
فلمّا وصلت رسالته إلى معاوية
هامش
( 1 ) .
تاريخ اليعقوبي 2 : 187 .