شهادة محمّد بن أبي بكر
لم يكتب لولاية محمّد بن أبي بكر الدوام ، فلم تمرّ مدّة طويلة حتّى بعث معاوية بمستشاره الماكر عمرو بن العاص إلى مصر لإثارة الفتن والقلاقل ، ويتمكّن في خاتمة المطاف من قتل محمّد بن أبي بكر .
ولمّا استشهد محمّد ظفر عمرو بن العاص على ما كان بحوزة محمّد من كتب ورسائل وعهود ومواعظ ، بما فيها رسالة الإمام عليه السلام له حين ولّاه مصر ، فلمّا اطّلع عليها بعث بها إلى معاوية ، فذهل معاوية لما شاهد فيها من علوم ومعارف عرضها على أصحابه .
فأشار عليه الوليد بن عقبة - الذي اعتلى المنبر مخموراً إبّان خلافة عثمان وصلّى بالمسلمين الصبح أربع ركعات ثم التفت إليهم ساخراً وهو يقول : أفأزيدكم « 1 » - بإحراقها .
إلّا أنّ معاوية رفض إحراقها وقال : لست من أهل الرأي ؛ أو تحرق مثل هذه الرسالة ، لابدّ أن نحفظها ونستفيد من مضامينها ، فإن أحرقناها سوف لن نجد من يحسن كلمة من هذه العلوم والمعارف فيعلّمناها .
فقال الوليد : أَمِنَ الصواب أن تفهم الامّة أنّك تقتدي بكتب علي وتعمل بمقتضاها ؟ فأجابه معاوية : أفتشير عليّ بإحراق علم فريد كالذي ورد في هذه الرسالة ؟ واللَّه لم أر حتّى الآن علماً جامعاً ونافعاً كالذي رأيته في هذه الرسالة .
فقال الوليد : إنّك لا تتمالك نفسك أمام رسالة من رسائل علي التي تحكي جزءاً من شخصيته فما لك تهبّ لقتاله ولا تمدّ يدك لبيعته ؟ فلم ير معاوية من جواب منطقي لهذا السؤال سوى أن لجأ إلى الهروب من الحقيقة وتبرير قتاله لعلي عليه السلام باتّهامه بدم عثمان والمطالبة به ، ثمّ قال : طبعاً سوف لن
هامش
( 1 ) .
شرح نهج البلاغة : 3 / 18 .