إذا عرفت أنّ بين الأمر والنهي فرقاً ماهويّاً ، وهو أنّ الأوّل يدلّ على البعث الاعتباري والثاني على الزجر الاعتباري وكلاهما يتعلّقان بإيجاد الطبيعة ، فلا مجال للنزاع المعروف بينهم من أنّ المطلوب في النهي هل هو الكفّ أو مجرّد الترك ، فإنّ هذا النزاع متفرّع على كون النهي دالّاً على الطلب .
وبناءً على ما ذهب إليه المشهور من أنّ مدلول الأمر والنهي هو الطلب الإنشائي فالحقّ أنّ متعلّقه الكفّ لا مجرّد أن لا يفعل ، خلافاً للمحقّق الخراساني رحمه الله ، لأنّ العدم ليس بشيء « 1 » ، فلا يصحّ إسناد المطلوبيّة إليه ، لأنّ « ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له » .
نعم ، توهّم أنّ الترك ومجرّد أن لا يفعل خارج عن تحت الاختيار ، فلا يصحّ أن يتعلّق به البعث والطلب ، مندفع بما ذكره المحقّق الخراساني رحمه الله من أنّ الترك أيضاً يكون مقدوراً وإلّا لما كان الفعل مقدوراً وصادراً بالإرادة والاختيار ، وكون العدم الأزلي لا بالاختيار لا يوجب أن يكون كذلك بحسب البقاء والاستمرار الذي يكون بحسبه محلّاً للتكليف « 2 » .
بيان ما يقتضيه الأمر والنهي
ثمّ إنّه لا إشكال ولا خلاف بينهم في أنّ النهي يتميّز عن الأمر بأنّ مقتضى النهي هو ترك جميع الأفراد ، عرضيّة كانت أو طوليّة ، بخلاف الأمر ، فإنّ الغرض منه يحصل بإيجاد فرد واحد « 3 » منه ويسقط الأمر به ، دون جميع
هامش
( 1 ) ولا فرق في ذلك بين العدم المطلق والمضاف وعدم الملكة . منه مدّ ظلّه .
( 2 ) كفاية الأصول : 182 .
( 3 ) بناءً على عدم دلالة الأمر على المرّة والتكرار كما هو الحقّ ، وعدم تصريح المولى بلزوم التكرار ، وأمّا لو صرّح بلزوم التكرار - كما في باب السجدة - أو قلنا بدلالة الأمر عليه ، فلابدّ من الإتيان بأكثر من فرد واحد كما لا يخفى . منه مدّ ظلّه .