وفيه - مضافاً إلى أنّ ألفاظ الكتاب وصلت إلينا بالتواتر « 1 » لا بأخبار
هامش
( 1 ) قد أجمع كافّة المسلمين على أنّ القرآنيّة لا تثبت إلّابالتواتر عن النبيّ صلى الله عليه وآله ، والشاهد عليه أنّ المالكيّةوسائر من قال بعدم كون البسملة التي في أوائل السور من القرآن استدلّوا عليه بعدم ثبوتها بالتواتر ، وأجاب الآخرون عنه بأنّه كيف يمكن إنكار تواترها وهي ثابتة في جميع المصاحف التي كتبت في صدر الإسلام ، مع أنّ المسلمين كانوا ملتزمين بأن لا يكتبوا في القرآن إلّاما هو منه .
فترى أنّ الاستدلال والجواب يحكيان عن تسالم الطرفين على عدم ثبوت القرآن إلّابالتواتر .
وأيضاً استشكل السيوطي في كتاب « الإتقان في علوم القرآن » على ما نسب إلى ابن مسعود من أنّه قال بعدم كون الفاتحة والمعوّذتين اللّتين في آخر الكتاب منه ، بأنّ إنكار كونها من القرآن مع ثبوتها بالتواتر يوجب الكفر ، ثمّ قال : فلابدّ إمّا من توجيه كلام ابن مسعود أو القول بكذب النسبة إليه .
وليس انحصار ثبوتها بالتواتر لأجل كونه كلام اللَّه تعالى ، فإنّ الحديث القدسي أيضاً كلامه مع عدم اشتراط التواتر فيه ، ولا لكونه معجزة فقط ، فإنّ سائر معجزات النبيّ صلى الله عليه وآله تثبت بغير التواتر أيضاً ، بل لأجل مزيّة مختصّة بالقرآن ، وهي أنّه معجزة خالدة باقية ، كافل لسعادة جميع البشر إلى يوم القيامة ، ومتحدٍّ بقوله - في سورة البقرة ، الآية 23 - : « وَإِنْ كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ » سيّما أنّه كان ينطق به رجل امّي في عصر بلغت فيه الفصاحة والبلاغة كمالهما ، وسيّما أنّ إطلاق السورة يشمل أصغر السور حتّى مثل سورة الكوثر ، وما هذا شأنه ودعواه يكون لا محالة متواتراً عنه صلى الله عليه وآله ، لتوفّر الدواعي على نقله ، حتّى من قبل الكفّار والمشركين الذين كانوا بصدد ردّه والإتيان بمثله أو بمثل سورة منه ، فضلًا عن المسلمين ، وأمّا السماع من المعصومين عليهم السلام فلا تصل النوبة إليه ، لكونه متواتراً قبله بين جميع المسلمين : الشيعة القائلين بإمامتهم عليهم السلام وأهل السنّة الذين لا يقولون بها .
بل صيرورته كتاباً في زمن النبيّ صلى الله عليه وآله - بمعنى أنّ جمعه وتأليفه وتعيين عدد آيات كلّ سورة وأنّ آية كذا جزء لسورة كذا بعد آية كذا ، كان في عصره صلى الله عليه وآله - إنّما تثبت بالتواتر أيضاً ، لعين ما تقدّم في ثبوت أصل القرآنيّة به .
وأمّا ما روى من أنّ عليّاً عليه السلام أو أبا بكر أو عثمان جمع القرآن فلا يرتبط بهذا الجمع الواقع في زمن النبيّ صلى الله عليه وآله ، فإنّ المراد بجمع عليّ عليه السلام جمعه تمام القرآن مع بيان ما له دخل في المراد في ذيل كلّ آية ، كالتفسير والتأويل وشأن النزول ونحوها ، وبجمع أبي بكر جمعه في القرطاس بعدما كتب بعضه على جلد الحيوانات وبعضه على قشر الأشجار ونحوها ، ويؤيّده ما روي من طريق أهل السنّة من أنّ « أوّل من جمع القرآن في القرطاس أبو بكر » ، وبجمع عثمان جمعه الناس على قراءة واحدة ، فإنّه بعدما تكثّرت القراءات جمعهم على قراءة واحدة وأحرق ما كان من القرآن مكتوباً بغيرها .
فتحصّل أنّ القرآنيّة وكذا عدد آيات كلّ سورة وتعيين جزئيّة الآيات لسورها وبيان مكان كلّ آية من السورة كلّها تثبت بالتواتر المتّصل بزمان رسول اللَّه صلى الله عليه وآله . منه مدّ ظلّه .