تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معالم المدينة المنورة بين العمارة والتاريخ — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
قال أبو عبيد : أهل المدينة لا يعرفون بالمدينة جبلا يقال له ثور وإنما ثور بمكة . فيرى أهل الحديث أنه حرم ما بين عير إلى أحد . وقال غيره : إلى بمعنى مع كأنه جعل المدينة مضافة إلى مكة في التحريم ، وقد ترك بعض الرواة موضع ثور بياضا ليبين الوهم وضرب آخرون عليه . وقال بعض الرواة : من عير إلى كدى . وفي رواية ابن سلام : من عير إلى أحد ، والأول أشهر وأشد ) « 1 » . إن ما أشار إليه هؤلاء المؤرخون من اجتهادات وما افترضوه من افتراضات وتأويلات تتلاشى وتضمحل ولا تمثل الحقيقة في شيء مع وجود النص فالنص موجود فما حاجتنا للاجتهاد أو كلام الرجال وافتراضاتهم أو تأويلاتهم . قال الإمام مالك رحمه الله تعالى : إن التمشي بالحديث الضعيف أولى عندي من كلام الرجال . فما بالك بحديث صحيح رواه البخاري ومسلم وهما أعلى مقام في الحديث ، أما كان من الأولى أن يكون هذا الحديث الصريح هو القياس في إيضاح ما غمض من الأحاديث الأخرى التي خاض فيها المؤرخون وافترضوا لها الفرضيات التي تناقض وتنافي الحديث الصحيح الذي لا مجال فيه للأخذ والرد وقد ورد فيه قوله صلى الله عليه وسلم صراحة : « المدينة حرم ما بين عير إلى ثور » فماذا بعد ذلك . هذا وقد تناول كثير من المؤرخين وبينوا خطر ما أقدموا عليه من الخوض في الحديث واعتمادهم على حجج واهية يدور محورها حول قولهم إن أهل المدينة لا يعرفون جبلا يقال له ثور ، وأن ثورا جبل معروف بمكة ، وقد تمثل قول رد هؤلاء المؤرخين وأهل الحديث على أولئك الذين نفوا وجود جبل ثور في المدينة بكلام طويل ومناقشة عريضة . - ولمزيد من الفائدة يمكن أن نوجز هذه الردود في النقاط التالية : 1 - إن مسارعة هؤلاء الأعلام من المؤرخين في إثبات وهم في الحديث المتفق على صحته بمجرد أن أهل المدينة المنورة لا يعرفون جبلا يسمى ثورا « 2 » ، فهذه غير حجة فإن جهل المرء بالشيء لا يغير الحقيقة كما لا يكون حجة على من يعرف ، بل من عرف حجة على من لا يعرف « 3 » . كما أن قولهم إن أهل المدينة لا يعرفون جبلا يسمى ثورا فغاية أمثال هؤلاء القائلين أنهم سألوا جماعة من أهل المدينة ولا يلزم أن يكون كلهم ، كما أن مضي الدهور وتطاول السنين يصاحبه في بعض الأحيان شيء من التغير والاختلاف
هامش
( 1 ) « معجم البلدان » - ياقوت الحموي - ( 2 / 87 ) . ( 2 ) « هامش صحيح مسلم » - تحقيق السيد محمد فؤاد عبد الباقي - كتاب الحج : باب فضل المدينة - ( 2 / 995 ) . ( 3 ) « فضائل المدينة المنورة » - د . خليل ملا خاطر - ( 1 / 74 ) .
معالم المدينة المنورة بين العمارة والتاريخ — صفحة 211 | عبد العزيز كعكي