ولا يخفى أن الجمع بين الدليلين على وجه يلزم منه تأويل أحدهما أولى من
العمل بأحدهما وإبطال الآخر ، ولأن القياس يتناول المتنازع فيه بخصوصه
، والمنقول يتناوله بعمومه ، والخاص أقوى من العام .
فإن قيل : إلا أن العموم أصل ، والقياس فرع ، والأصل مقدم على الفرع ،
وأيضا فإن تطرق الخلل إلى العموم أقل من تطرقه إلى القياس على ما سبق
تقريره ، فكان أولى .
قلنا : أما الأول فإنما يلزم أن لو كان ما قيل بتقديم القياس عليه هو أصل ذلك
القياس ، وليس كذلك ، بل جاز أن يكون فرعا لغيره .
فإن قيل : وإن لم يكن فرعا لذلك العام بعينه ، فهو فرع بالنسبة إلى ما هو من جنسه .
قلنا : إلا أن ذلك لا يمنع من تخصيص العموم بالقياس ، وإلا لما جاز تخصيص
عموم الكتاب بخبر الواحد لكونه فرعا بالنسبة إلى ما هو من جنسه ، وهو ممتنع على ما سبق .
وما ذكروه من الترجيح الثاني ، فهو معارض بمثله ، فإن العام ، يحتمل ان يكون
غير ظاهر في العموم ، وإن كان ظاهرا ، فيحتمل الخصوص ، واحتمال ذلك
في الشرع أغلب من احتمال الغلط من المجتهد المتبحر ، على ما لا يخفى .
ولهذا ، قيل إنه ما من عام ، إلا وهو مخصوص إلا في قوله تعالى * ( والله بكل شئ عليم ) *
ولا كذلك القياس .
الاحكام — صفحة 281
مساهمون: الآمدي
ص٢٨١