وأما الاجماع فهو أنه لم تزل العامة في زمن الصحابة والتابعين قبل حدوث
المخالفين يستفتون المجتهدين ، ويتبعونهم في الأحكام الشرعية ، والعلماء منهم يبادرون
إلى إجابة سؤالهم من غير إشارة إلى ذكر الدليل ، ولا ينهونهم عن ذلك من غير
نكير ، فكان إجماعا على جواز اتباع العامي للمجتهد مطلقا .
وأما المعقول فهو أن من ليس له أهلية الاجتهاد ، إذا حدثت به حادثة فرعية ،
إما أن لا يكون متعبدا بشئ ، وهو خلاف الاجماع من الفريقين ، وإن كان متعبدا
بشئ فإما بالنظر في الدليل المثبت للحكم ، أو بالتقليد : الأول ممتنع ، لان ذلك مما
يفضي في حقه وفي حق الخلق أجمع إلى النظر في أدلة الحوادث ، والاشتغال عن المعايش ،
وتعطيل الصنائع والحرف ، وخراب الدنيا ، وتعطيل الحرث والنسل ، ورفع الاجتهاد
والتقليد رأسا ، وهو من الحرج والاضرار المنفي بقوله تعالى * ( وما جعل عليكم في
الدين من حرج ) * وبقوله عليه السلام لا ضرر ولا ضرار في الاسلام وهو عام
في كل حرج وضرار ، ضرورة كونه نكرة في سياق النفي .
غير أنا خالفناه في امتناع التقليد ، في أصول الدين لما بيناه من الفرق في مسألة
امتناع التقليد في أصول الدين ، ولأن الوقائع الحادثة الفقهية أكثر بأضعاف كثيرة
من المسائل الأصولية التي قيل فيها بامتناع التقليد فكان الحرج في إيجاب الاجتهاد فيها
أكثر ، فبقينا فيما عدا ذلك عاملين بقضية الدليل ، وهو عام في المسائل الاجتهادية وغيرها .
فإن قيل : ما ذكرتموه معارض بالكتاب ، والسنة ، والمعقول :
أما الكتاب ، فقوله تعالى * ( وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) * ( البقرة : 169 )
والقول بالتقليد قول بما ليس بمعلوم ، فكان منهيا عنه .
الاحكام — صفحة 229
مساهمون: الآمدي
ص٢٢٩