الرابع : أنه لو كان الحق في جهة واحدة ، لما وجب على كل واحد من المجتهدين
اتباع ما أوجبه ظنه ، ولا كان مأمورا به ، لان الشارع لا يأمر بالخطإ ، وحيث كان
مأمورا باتباعه ، دل . على كونه صوابا .
الخامس : أنه لا خلاف في ترجيح الأدلة المتقابلة في المجتهدات بما لا يستقل
بإثبات أصل الحكم ولا نفيه ، فدل على أن الدليل من الجانبين ما هو خارج عن
الترجيح ، فالدليل على كل واحد من الحكمين قائم ، فكان حقا .
السادس : أن حصر الحق في جهة واحدة مما يفضي إلى الضيق والحرج ، وهو
منفي بقوله تعالى * ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) * ( الحج : 78 ) وقوله تعالى * ( يريد الله
بكم اليسر ، ولا يريد بكم العسر ) * ( البقرة : 185 ) .
السابع : أنه لو كان المجتهد مخطئا ، لما علم كونه مغفورا له ، واللازم ممتنع .
وبيان الملازمة أنه لو كان مخطئا ، فلا يخلو :
إما أن لا يجوز كونه مخطئا ، أو يجوز كونه مخطئا :
الأول محال ، فإن من قال بالتخطئة لم يعين الخطأ في واحد ، بل أمكن أن يكون
قائلا بالنفي أو الاثبات .
والثاني فلا يخلو : إما أن يعلم مع تجويز كونه مخطئا ، أنه قد انتهى في النظر
إلى الرتبة التي يغفر له بترك ما بعدها ، أو لا يعلم ذلك :
الأول محال ، فإن المجتهد لا يميز ما بين الرتبتين .
وإن كان الثاني ، فهو مجوز لترك النظر الذي إذا أخل به بعد النظر الذي انتهى
إليه لا يكون مغفورا له ، وذلك ممتنع مخالف لاجماع الأمة على ثواب كل مجتهد
وغفران ما أخل به من النظر .
والجواب عن الآية أن غايتها الدلالة على أن كل واحد منهما أوتي حكما وعلما ،
وهو نكرة في سياق الاثبات ، فيخص ، وليس فيه ما يدل على أنه أوتي حكما
وعلما فيما حكم به . وقد أمكن حمل ذلك على أنه أوتي حكما وعلما بمعرفة دلالات
الأدلة على مدلولاتها ، وطرق الاستنباط ، فلا يبقى حجة في غيره .
الاحكام — صفحة 194
مساهمون: الآمدي
ص١٩٤