وأما السنة فقوله عليه السلام أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم
ووجه الاحتجاج به أنه عليه السلام ، جعل الاقتداء بكل واحد من الصحابة هدى ،
مع اختلافهم في الاحكام نفيا وإثباتا ، كما بيناه قبل . فلو كان فيهم مخطئ ، لما
كان الاقتداء به هدى ، بل ضلالة .
وأما الاجماع فهو أن الصحابة اتفقوا على تسويغ خلاف بعضهم لبعض ، من
غير نكير منهم على ذلك ، بل ونعلم أن الخلفاء منهم كانوا يولون القضاة والحكام
مع علمهم بمخالفتهم لهم في الاحكام ، ولم ينكر عليهم منكر . ولو تصور الخطأ في
الاجتهاد ، لما ساغ ذلك من الصحابة ، كما لم يسوغوا ترك الانكار على مانعي الزكاة ،
وكل منكر أنكروه .
وأما من جهة المعقول ، فمن سبعة أوجه .
الأول أنه لو كان الحق متعينا في باب الاجتهاد في كل مسألة لنصب الله تعالى
عليه دليلا قاطعا ، دفعا للاشكال ، وقطعا لحجة المحتج ، كما هو المألوف من عادة
الشارع في كل ما دعا إليه ،
ومنه قوله تعالى * ( رسلا مبشرين ومنذرين ، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) * ( النساء : 165 )
وقوله تعالى * ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ) * ( إبراهيم : 4 )
وقوله تعالى * ( ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا : ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا ) * ( طه : 134 )
ولو كان عليه دليل قاطع ، لوجب الحكم على مخالفه بالفسق والتأثيم ، كالمخالف
في العقليات .
الثاني : أنه لو كان الحق في جهة واحدة ، لما ساغ لاحد من العامة تقليد أحد
من العلماء ، إلا بعد الاجتهاد والتحري فيمن يقلده ، وليس كذلك . وحيث خير في
التقليد دل على التساوي بين المجتهدين ، فإن الشرع لا يخير إلا في حالة التساوي .
الثالث : أنه لو كان الحق في جهة واحدة ، لوجب نقض كل حكم خالفه ، كما
قاله بشر المريسي والأصم . وحيث لم ينقض دل على التساوي .
الاحكام — صفحة 193
مساهمون: الآمدي
ص١٩٣